عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
125
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
الحكاية الثالثة والخمسون عن الشيخ الأصيل أبي حفص عمر ابن الشيخ الجليل ، ذي المجد الأنبل ، العارف باللّه حياة بن قيس الحراني ، قدّس اللّه روحه وسره « 1 » . قال الشيخ زغيب - بالزاي المضمومة وفتح العين المعجمة والياء المثناة والباء الموحدة - الرحبي رحمه اللّه تعالى : خرجت من الرحبة إلى خرابة لزيارة والدي بعد صلاة الصبح ، فوجده جالسا علي باب داره وبين يديه شاة فسلم عليه ، وجلس على دكة بإزائه من الجانب الآخر ، بينهما أكثر من ذراع ، فلم يكلمه والدي ، فقال الشيخ زغيب في نفسه : جئت إليه من الرحبة واشتغل عني بمعزاة ينظر في أمرها ، فنظر إليه وقال : يا زغيب قد أمرت أن أغصب منك شيئا بسبب اعتراضك ، فاختر إما من باطنك ، وإما من ظاهرك ، فقال : يا سيدي بل من ظاهري ، فمد والدي إصبعه مشيرا إلى عينه ، فسالت عين الشيخ زغيب على خدّه ، فقبل الأرض وعاد إلى الرحبة . قال : ثم رأيته بعد سنين بمكة صحيح العين ، فسألته فقال : كنت في سماع ببلادنا ، ووفد رجل من مريدي والدك ، فوضع يده على عيني فردت صحيحة كما ترى ، قال : ولما أشار
--> ( 1 ) هو من أجلاء المشايخ ، وعظماء العارفين ، وأعيان المحققين ، صاحب الكرامات والمقامات ، والهمم الفخيمة ، والبداية العظيمة ، صاحب الفتح السني ، والكشف الجليّ ، حلال مشكلات القوم ، وهو أحد الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم بأرض العراق ، وكان أهل خراسان يستسقون به فيسقون . ومن كلامه : لا يكون الرجل من المتمكنين حتى لا يطفئ نور معرفته نور ورعه . وكان يقول : حقيقة الوفاء إقامة السر عن رقدة الغفلات ، وفراغ الهم عن الكائنات . وكان يقول : من أحب أن يرى خوف اللّه في قلبه ويكاشف بأحوال الصديقين فلا يأكل إلا حلالا ، ولا يعمل إلا في سنة أو فريضة ، وما حرم من حرم عن الوصول ومشاهدة الملكوت إلا بشيئين : سوء الطعمة ، وأذى الخلق . وكان يقول : تعرّض لرقة القلب بمجالسة أهل الذّكر ، واستجلب نور القلب بدوام الجد . وكان يقول : من علامة المريد الصادق ألا يغتر عن ذكر اللّه تعالى ، ولا يمل من حقه ، ويلزم السّنة والفريضة ، فالسّنة : ترك الدنيا ، والفريضة : صحبة الحق جلّ وعلا . وكان يقول : اجعل الزهد عبادتك ، واحذر أن تجعله حرفتك . سكن رضي اللّه عنه حرّان واستوطنها إلى أن مات بها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ، ودفن بظاهرها ، وقبره هناك ظاهر يزار . وانظر : طبقات الشعراني ( 1 / 132 ) ، والانتصار للكردي ( ص 448 ) بتحقيقنا .