عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

124

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

نار شهوده نار وجوده ، ولا يحجب نور وجوده حقيقة شهوده ، وحقيقة القصد إلى اللّه تعالى بالسر ظهور الحقيقة بإذنه في حجاب العالم ، ثم يفتح اللّه له في الاعتصام في اللّه تعالى باب المعاينة ، وعلامته أن يفتح اللّه تعالى له من بصيرته عيونا ثلاثة : عين يدرك بها أنوار المعرفة ، وعين يدرك بها أنوار الروح ، كما ورد : « العيون ثلاثة : عين البصر ، وعين البصيرة ، وعين الروح » ، فعين البصر يدرك بها المحسوسات ، وعين البصيرة يدرك بها المعنويات ، وعين الروح يدرك بها الملكوت ، ثم يفتح اللّه له في الجلوس مع اللّه سبحانه تعالى باب الاستغراق في عين التفريد ، وله خمسة أركان : القرب في عين المشاهدة ، والعلم في بحر الجمع ، واستهلاك الفناء في بحر الأزل ، واستغراق الوجود في طي القدم ، واستعدام البقاء في برق الأبد ، ففناء القرب في عين المشاهدة للمرسلين مقامات الأسرار ، وللمقربين عنايات الأنوار ، والعلم في بحر الجمع للصديقين رؤية ، وللأبرار مشاهدة ؛ لأن الرؤية للذات في مشاهدة الأنوار والصفات ، واستهلاك الفناء في بحر الأزل للمرسلين حقيقة ، وللمقرّبين طريقة ، واستغراق الوجود في طي العدم للصديقين تفريد التوحيد ، وللأبرار تحقيق التجريد ، واستعدام البقاء في برق الأبد للشهداء حياة قرب ، واستدامة رزق ، وللصالحين نسيم روح ، واسترواح ريحان ، ومعارف جنة نعيم ، فبقاء القرب في عين المشاهدة كان عقلا ، وبالعلم في بحر الجمع كان روحا ، وباستهلاك الفناء في بحر الأزل كان سرّا ، وباستغراق الوجود في طي العدم كان دارا ، وباستعدام البقاء في برق الأبد كان ذاتا ، كاملة الوجود ، تامة التقويم ، فبالعقل يثبت الإيمان ، وبالروح يسمع الخطاب ، والخطاب ظاهره الإيمان ، والإيمان ظاهره الصفات ، والصفات ظاهر الذات ، والإيمان بصيرة العقل ، والسر بصيرة الروح ، والأمر بصيرة الحكم ، والحكم بصيرة الحكمة ، وذلك حقيقة ما يكشف للعارف المنتهي في درجة المعرفة . ومنه : العلوم ثلاثة : علم من اللّه تعالى ، وهو العلم بالأمر والنهي والأحكام والحدود ، وعلم مع اللّه تعالى ، وهو علم الخوف والرجاء والمحبّة والشوق ، وعلم باللّه وهو علم نعوته وصفاته ، وعلم الظاهر علم الطريق ، وعلم الباطن علم المنزل ، يعني علم الحقيقة ، وموطن الوصف إلى رب الخليقة ، وعلم الحكم علم الشرع ، فكل باطن لا يقيمه ظاهر فهو باطل ، وأصل العقل الصمت ، وباطنه كتمان الأسرار ، وظاهره الاهتداء بالسّنة ، وإذا غلب الهوى نوّر العقل ، ومن احتجب في شيء من علومه فلا ينظر إلى شيء من عيوبه .