ابن قيم الجوزية
99
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قوله : « الدرجة الثالثة : الفناء عن شهود الفناء » . أي يشهد فناء كل ما سوى الحق تعالى في وجود الحق . ثم يشهد الفناء قد فني أيضا . ثم يفنى عن شهود الفناء . فذلك هو الفناء حقا . وقوله « شائما برق العين » . يعني ناظرا إلى عين الجمع . فإذا شام برقه من بعد انتقل من ذلك إلى ركوب لجّة بحر الجمع ، وركوبه إياها هو فناؤه في جمعه . ويعني بالجمع : الحقيقة الكونية القدرية التي يجتمع فيها جميع المتفرقات ، وتشمير القوم إلى شهودها والاستغراق والفناء فيها : هو غاية السلوك والمعرفة عندهم . وسنذكر إن شاء اللّه تعالى أن العبد لا يدخل بهذا الفناء والشهود في الإسلام ، فضلا أن يكون به من المؤمنين ، فضلا أن يكون به من خاصة أولياء اللّه المقربين ، فإن هذا شهود مشترك لأمر أقر به عبّاد الأصنام وسائر أهل الملل : أنه لا خالق إلا اللّه . قال اللّه تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزّمر : 38 ، ولقمان : 25 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزّخرف : 87 ] فالاستغراق والفناء في شهود هذا القدر : غاية التحقيق لتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ، ولم يدخلوا به في الإسلام . وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل ، وأنزلت به الكتب . وتميز به أولياء اللّه من أعدائه . وهو أن لا يعبد إلا اللّه ، ولا يحب سواه ، ولا يتوكل على غيره . والفناء في هذا التوحيد : هو فناء خاصة المقربين . كما سيأتي إن شاء اللّه . أقسام الفناء إذا عرفت مراد القوم بالفناء ، فنذكر أقسامه ومراتبه ، وممدوحه ومذمومه ومتوسطه . فاعلم أن « الفناء » مصدر فني يفنى فناء إذا اضمحلّ وتلاشى وعدم . وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه ، مع بقاء عينه ، كما قال الفقهاء : لا يقتل في المعركة شيخ فان . وقال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) [ الرّحمن : 26 ] أي هالك ذاهب . ولكن القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية ، والغيبة عن شهود الكائنات . وهذا الاسم يطلق على ثلاثة معان ؛ الفناء عن وجود السّوى ، والفناء عن شهود السّوى ، والفناء عن إرادة السّوى . فأما الفناء عن وجود السّوى : فهو فناء الملاحدة ، القائلين بوحدة الوجود ، وأنه ما ثمّ غير ، وأن غاية العارفين والسالكين : الفناء في الوحدة المطلقة ، ونفي التكثر ، والتعدد عن الوجود بكل اعتبار . فلا يشهد غيرا أصلا . بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب . بل ليس عندهم في الحقيقة رب وعبد . وفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد . وهو الواجب بنفسه ، ما ثمّ وجودان : ممكن ، وواجب . ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات باللّه ، وبين كون وجودها هو عين وجوده . وليس عندهم فرقان بين « العالمين » و « رب العالمين » ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين