ابن قيم الجوزية

100

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

عن شهودهم وفنائهم . والأمر والنهي تلبيس عندهم . والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاص ، ما دام في مقام الفرق . فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات ، لا معصية فيها . لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود . فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية ، بل ارتفعت الطاعات والمعاصي . لأنها تستلزم اثنينية وتعددا . وتستلزم مطيعا ومطاعا ، وعاصيا ومعصيا . وهذا عندهم محض الشرك ، والتوحيد المحض يأباه . فهذا فناء هذه الطائفة . وأما الفناء عن شهود السّوى : فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين . ويعدونه غاية . وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه : وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه . وليس مرادهم فناء وجود ما سوى اللّه في الخارج ، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم . فحقيقته : غيبة أحدهم عن سوى مشهوده . بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه . لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته ، وبمذكوره عن ذكره ، وبموجوده عن وجوده ، وبمحبوبه عن حبه ، وبمشهوده عن شهوده . وقد يسمى حال مثل هذا سكرا ، واصطلاما ، ومحوا ، وجمعا . وقد يفرقون بين معاني هذه الأسماء . وقد يغلب شهود القلب بمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به . فيظن أنه اتحد به وامتزج ، بل يظن أنه هو نفسه . كما يحكى أن رجلا ألقى محبوبه نفسه في الماء . فألقى المحب نفسه وراءه . فقال له : ما الذي أوقعك في الماء ؟ فقال : غبت بك عنّي فظننت أنك أني . وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك . وأن الحقائق متميزة في ذاتها . فالرب رب . والعبد عبد . والخالق بائن عن المخلوقات . ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته . ولكن في حال السكر والمحو والاصطلام والفناء : قد يغيب عن هذا التمييز . وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال « سبحاني » أو « ما في الجبة إلا اللّه » ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرا . ولكن مع سقوط التمييز والشعور ، قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة « 1 » . وهذا الفناء يحمد منه شيء . ويذم منه شيء . ويعفى منه عن شيء . فيحمد منه : فناؤه عن حب ما سوى اللّه ، وعن خوفه ، ورجائه ، والتوكل عليه ، والاستعانة به ، والالتفات إليه ، بحيث يبقى دين العبد ظاهرا وباطنا كله للّه . وأما عدم الشعور والعلم ، بحيث لا يفرق صاحبه بين نفسه وغيره ، ولا بين الرب والعبد - مع اعتقاده الفرق « 2 » - ولا بين شهوده ومشهوده ، بل لا يرى السّوى ولا الغير : فهذا ليس بمحمود ، ولا هو وصف كمال ، ولا هو مما يرغب فيه ويؤمر به . بل غاية صاحبه : أن يكون معذورا لعجزه ، وضعف قلبه وعقله عن احتمال التمييز والفرقان ، وإنزال كل ذي منزلة منزلته ، موافقة لداعي العلم ، ومقتضى الحكمة ، وشهود الحقائق على ما هي عليه . والتمييز بين القديم

--> ( 1 ) كيف يدعي - دفاعا عن هذه الوثنية الوقحة - أن أولئك الزنادقة يعذرون لأنهم سقط تمييزهم وشعورهم . فلئن كانوا حقيقة ساقطو التمييز والشعور ، فهم مجانين ، فكيف تدعى لهم الولاية والإمامة في الدين ؟ . ( 2 ) وهل يمكن أن يوجد مع هذا اعتقاد بفرقان ؟ .