ابن قيم الجوزية

96

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فرحمة اللّه على أبي إسماعيل . فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد . فدخلوا منه وأقسموا باللّه جهد أيمانهم : إنه لمنهم . وما هو منهم « 1 » وغرّه سراب الفناء . فظن أنه لجة بحر المعرفة ، وغاية العارفين . وبالغ في تحقيقه وإثباته . فقاده قسرا إلى ما ترى . تعريف الفناء و « الفناء » الذي يشير إليه القوم ، ويعملون عليه : أن تذهب المحدثات في شهود العبد ، وتغيب في أفق العدم ، كما كانت قبل أن توجد . ويبقى الحق تعالى كما لم يزل . ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا . فلا يبقى له صورة ولا رسم . ثم يغيب شهوده أيضا . فلا يبقى له شهود . ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه ، كما كان الأمر قبل إيجاد المكوّنات . وحقيقته : أن يفنى من لم يكن . ويبقى من لم يزل . قال صاحب « المنازل » : هو اضمحلال ما دون الحق علما . ثم جحدا . ثم حقا ، وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : فناء المعرفة في المعروف . وهو الفناء علما . وفناء العيان في المعاين . وهو الفناء جحدا . وفناء الطلب في الوجود . وهو الفناء حقا . الدرجة الثانية : فناء شهود الطلب لإسقاطه ، وفناء شهود المعرفة لإسقاطها ، وفناء شهود العيان لإسقاطه . الدرجة الثالثة : الفناء عن شهود الفناء . وهو الفناء حقا ، شائما برق العين ، راكبا بحر الجمع ، سالكا سبيل البقاء » . فنذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل . ثم نتبعه ذكر أقسام الفناء . والفرق بين الفناء المحمود ، الذي هو فناء خاصة أولياء اللّه المقربين . والفناء المذموم الذي هو فناء أهل الإلحاد ، القائلين بوحدة الوجود ، وفناء المتوسطين الناقصين عن درجة الكمال ، بعون اللّه وحوله وتأييده . فقوله : « الفناء اضمحلال ما دون الحق جحدا » لا يريد به أنه يعدم من الوجود بالكلية . وإنما يريد اضمحلاله في العلم . فيعلم أن ما دونه باطل ، وأن وجوده بين عدمين ، وأنه ليس له من ذاته إلا العدم . فعدمه بالذات ، ووجوده بإيجاد الحق له . فيفنى في علمه ، كما كان فانيا في حال عدمه . فإذا فني في علمه ارتقى إلى درجة أخرى فوق ذلك . وهي جحد السّوى وإنكاره . وهذه أبلغ من الأولى . لأنها غيبته عن السوى . فقد يغيب عنه وهو غير جاحد له . وهذه الثانية جحده وإنكاره . ومن هاهنا دخل الاتحادي . وقال : المراد جحد السّوى بالكلية ، وأنه ما ثمّ غير بوجه ما . وحاشا شيخ الإسلام من إلحاد أهل الاتحاد ، وإن كانت عبارته موهمة ، بل مفهمة ذلك . وإنما أراد بالجحد : في الشهود ، لا في الوجود ، أي يجحده أن يكون مشهودا ، فيجحد وجوده الشهودي العلمي ، لا وجوده العيني الخارجي . فهو أولا يغيب عن وجوده الشهودي العلمي . ثم

--> ( 1 ) كلامه حجة لهم على أنه منهم . وتأويل كلامه غير مقبول عندهم . ونرجو أن يكون قد تاب منه وأناب واللّه غفور رحيم .