ابن قيم الجوزية

97

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ينكر ثانيا وجوده في علمه . وهو اضمحلاله جحدا . ثم يرتقي من هذه الدرجة إلى درجة أخرى أبلغ منها . وهي اضمحلاله في الحقيقة ، وأنه لا وجود له البتة . وإنما وجوده قائم بوجود الحق . فلو لا وجود الحق لم يكن هو موجودا . ففي الحقيقة : الموجود إنما هو الحق وحده ، والكائنات من أثر وجوده . هذا معنى قولهم « إنها لا وجود لها ولا أثر لها . وإنها معدومة وفانية ومضمحلة » . والاتحادي يقول : إن السالك في أول سلوكه يرى أنه لا فاعل في الحقيقة إلا اللّه . فهذا توحيد العلم . ولا يقدر في طوره الأول على أكثر من ذلك . ثم ينتقل عن هذا إلى الدرجة الثانية . وهي شهود عود الأفعال إلى الصفات ، والصفات إلى الذات . فعاد الأمر كله إلى الذات . فيجحد وجود السّوى بالكلية . فهذا هو الاضمحلال جحدا . ثم يرتقي عن هذه الدرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصفات . ولا يبقى إلا أمر مطلق لا يتقيد باسم ولا فعل ولا صفة ، قد اضمحل فيه كل معنى وقيد وصفة ورسم . وهذا - عندهم - غاية السفر الأول . فحينئذ يأخذ في السّفر الثاني . وهو البقاء . قوله : « الدرجة الأولى : فناء المعرفة في المعروف » . يريد اضمحلال معرفته وتلاشيها في معروفه . وأن يغيب بمعروفه عن معرفته ، كما يغيب بمشهوده عن شهوده ، وبمذكوره عن ذكره ، وبمحبوبه عن حبه ، وبمخوفه عن خوفه . وهذا لا ريب في إمكانه ووقوعه . فإن القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره . وأنت ترى الرجل يشاهد محبوبه الذي قد استغرق في حبه ، بحيث تخلل حبّه جميع أجزاء قلبه . أو يشاهد المخوف الذي امتلأ قلبه بخوفه . فتراه دهشا عن شعوره بحبه أو خوفه ، لاستيلاء سلطان المحبوب أو المخوف على قلبه ، وعدم اتساعه لشهود غيره البتة . لكن هذا لنقصه لا لكماله . والكمال وراء ذلك . فلا أحد أعظم محبة للّه عزّ وجلّ من الخليلين - عليهما الصلاة والسلام - وكانت حالهما أكمل من هذه الحال . وشهود العبودية أكمل وأتم وأبلغ من الغيبة عنها بشهود المعبود . فشهود العبودية والمعبود درجة الكمّل . والغيبة بأحدهما عن الآخر للناقصين . فكما أن الغيبة بالعبادة عن المعبود نقص ، فكذلك الغيبة بالمعبود عن عبادته نقص . حتى إن من العارفين من لا يعتد بهذه العبادة . ويرى وجودها عدما . ويقول : هي بمنزلة عبودية النائم وزائل العقل . لا يعتد بها . ولم يبعد هذا القائل . فالحق تعالى مراده من عبده : استحضار عبوديته ، لا الغيبة عنها . والعامل على الغيبة عنها عامل على مراده من اللّه ، وعلى حظه والتنعم بالفناء في شهوده . لا على مراد اللّه منه ، وبينهما ما بينهما . فكيف يكون قائما بحقيقة العبودية من يقول « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » ولا شعور له بعبوديته البتة ؟ بل حقيقة « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » علما ومعرفة وقصدا وإرادة وعملا . وهذا مستحيل في وادي الفناء . ومن له ذوق يعرف هذا وهذا . قوله « وفناء العيان في المعاين . وهو الفناء جحدا » . لما كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم ، والمعرفة في المعروف . والعيان فوق العلم