ابن قيم الجوزية

87

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

آخرها أيضا . بل هي في كل مقام مستصحبة . ولهذا جعلها اللّه تعالى آخر مقامات خاصته . فقال تعالى في غزوة تبوك . وهي آخر الغزوات التي قطعوا فيها الأودية والبدايات والأحوال والنهايات لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) [ التّوبة : 117 ] فجعل التوبة أول أمرهم وآخره . وقال في سورة أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التي هي آخر سورة أنزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) [ النّصر : 1 - 3 ] . وفي « الصحيحين » عن عائشة رضي اللّه عنها « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما صلى صلاة بعد إذ أنزلت عليه هذه السورة ، إلا قال في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، يتأوّل القرآن » فالتوبة هي نهاية كل سالك وكل ولي للّه . وهي الغاية التي يجري إليها العارفون باللّه وعبوديته . وما ينبغي له . قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 ) [ الأحزاب : 72 ، 73 ] فجعل سبحانه التوبة غاية كل مؤمن ومؤمنة . وكذلك « الصبر » فإنه لا ينفك عنه في مقام من المقامات . وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرطه المصاحب له . ومثال ذلك : أن « الرضا » مترتب على « الصبر » لتوقف الرضا عليه . واستحالة ثبوته بدونه . فإذا قيل : إن مقام « الرضا » أو حاله - على الخلاف بينهم : هل هو مقام أو حال ؟ - بعد مقام « الصبر » لا يعني به أنه يفارق الصبر وينتقل إلى الرضا وإنما يعني أنه لا يحصل له مقام الرضا حتى يتقدم له قبله مقام الصبر . فافهم هذا الترتيب في مقامات العبودية . وإذا كان كذلك علمت أن « القصد » و « العزم » متقدم على سائر المنازل فلا وجه لتأخيره . وعلمت بذلك أن « المحاسبة » متقدمة على « التوبة » بالرتبة أيضا . فإنه إذا حاسب العبد نفسه خرج مما عليه . وهي حقيقة التوبة . وأن منزلة « التوكل » قبل منزلة « الإنابة » لأنه يتوكل في حصولها . فالتوكل وسيلة . والإنابة غاية . وأن مقام التوحيد أولى المقامات أن يبدأ به . كما أنه أول دعوة الرسل كلهم . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ بن جبل - حين بعثه إلى اليمن - « فليكن أول ما تدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا اللّه » وفي رواية « إلى أن يعرفوا اللّه » ولأنه لا يصح مقام من المقامات ، ولا حال من الأحوال إلا به ، فلا وجه لجعله آخر المقامات . وهو مفتاح دعوة الرسل . وأول فرض فرضه اللّه على العباد . وما عدا هذا من الأقوال فخطأ . كقول من يقول : أول الفروض النظر ، أو القصد إلى النظر ، أو المعرفة ، أو الشك الذي يوجب النظر . وكل هذه الأقوال خطأ ، بل أول الواجبات : مفتاح دعوة المرسلين كلهم . وهو أول ما دعا إليه فاتحهم نوح . فقال : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 59 ] وهو أول ما دعا إليه خاتمهم محمد صلى اللّه عليه وسلم . ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها ، كلّ يصف منازل سيره ، وحال سلوكه . ولهم اختلاف في بعض منازل السير : هل هي من قسم الأحوال ؟ والفرق بينهما : أن