ابن قيم الجوزية
88
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
المقامات كسبية . والأحوال وهبية . ومنهم من يقول : الأحوال من نتائج المقامات . والمقامات نتائج الأعمال ، فكل من كان أصلح عملا كان أعلى مقاما ، وكل من كان أعلى مقاما كان أعظم حالا . فمما اختلفوا فيه « الرضا » هل هو حال ، أو مقام ؟ فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين . وحكم بينهم بعض الشيوخ ، فقال : إن حصل بكسب فهو مقام . وإلا فهو حال . والصحيح في هذا : أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها ، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوّها ، كما يلمع البارق ويلوح عن بعد ، فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال ، فإذا تمكنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات . وهي لوامع ولوائح في أولها ، وأحوال في أوسطها ، ومقامات في نهاياتها . فالذي كان بارقا هو بعينه الحال . والذي كان حالا هو بعينه المقام . وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب ، وظهوره له ، وثباته فيه . وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب ، وينزل إلى ما دونه . ثم قد يعود إليه ، وقد لا يعود . ومن المقامات : ما يكون جامعا لمقامين . ومنها ما يكون جامعا لأكثر من ذلك . ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات . فلا يستحق صاحبه اسمه إلا عند استجماع جميع المقامات فيه . فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف ، لا يتصور وجودها بدونهما . و « التوكل » جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضى . لا يتصور وجوده بدونها . و « الرجاء » جامع لمقام الخوف والإرادة . و « الخوف » جامع لمقام الرجاء والإرادة . و « الإنابة » جامعة لمقام المحبة والخشية . لا يكون العبد منيبا إلا باجتماعهما . و « الإخبات » له جامع لمقام المحبة والذل والخضوع . لا يكمل أحدها بدون الآخر إخباتا . و « الزهد » جامع لمقام الرغبة والرهبة . لا يكون زاهدا من لم يرغب فيما يرجو نفعه ، ويرهب مما يخاف ضرره . ومقام « المحبة » جامع لمقام المعرفة والخوف والرجاء والإرادة . فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة . وبها تحققها . ومقام « الخشية » جامع لمقام المعرفة باللّه ، والمعرفة بحق عبوديته . فمتى عرف اللّه وعرف حقه اشتدت خشيته له . كما قال تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] فالعلماء به وبأمره هم أهل خشيته . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « أنا أعلمكم باللّه وأشدكم له خشية » . ومقام « الهيبة » جامع لمقام المحبة والإجلال والتعظيم . ومقام « الشكر » جامع لجميع مقامات الإيمان . ولذلك كان أرفعها وأعلاها . وهو فوق « الرضا » وهو يتضمن « الصبر » من غير عكس . ويتضمن « التوكل » و « الإنابة » و « الحب » و « الإخبات » و « الخشوع » و « الرجاء » فجميع المقامات مندرجة فيه . لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا