ابن قيم الجوزية
86
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قال : « الدرجة الثالثة : قصد الاستسلام لتهذيب العلم ، وقصد إجابة داعي الحكم ، وقصد اقتحام بحر الفناء » . يريد أنه ينقاد إلى العلم ليتهذب به ويصلح . ويقصد إجابة داعي الحكم الديني الأمري كلما دعاه . فإن للحكم في كل مسألة من مسائل العلم مناديا ينادي للإيمان بها علما وعملا . فيقصد إجابة داعيها . ولكن مراده بداعي الحكم : الأسرار والحكم الداعية إلى شرع الحكم . فإجابتها قدر زائد على مجرد الامتثال . فإنها تدعو إلى المحبة والإجلال ، والمعرفة والحمد . فالأمر يدعو إلى الامتثال . وما تضمنه من الحكم . والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبة . وقوله : « وقصد اقتحام بحر الفناء » . هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم . وهو عند بعضهم لازم من لوازم الطريق . وليس بغاية . وعند آخرين عارض من عوارض الطريق . وليس بغاية . ولا هو لازم لكل سالك . وأهل القوة والعزم لا يعرض لهم . وحال البقاء أكمل منه ولهذا كان البقاء حال نبينا صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء . وقد رأى ما رأى . وحال موسى الفناء ، ولهذا خرّ صعقا عند تجلّي اللّه للجبل ، وامرأة العزيز كانت أكمل حبا ليوسف من النسوة ، ولم يعرض لها ما عرض لهن عند رؤية يوسف لفنائهن وبقائها ، وسيأتي إن شاء اللّه تحقيق الكلام فيه . فإذا استحكم قصده صار « عزما » جازما ، مستلزما للشروع في السفر ، مقرونا بالتوكل على اللّه . قال تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] . و « العزم » هو القصد الجازم المتصل بالفعل . ولذلك قيل : إنه أول الشروع في الحركة لطلب المقصود ، وإن التحقيق : أن الشروع في الحركة ناشئ عن العزم ، لا أنه هو نفسه ، ولكن لما اتصل به من غير فصل ظنّ أنه هو . وحقيقته : هو استجماع قوى الإرادة على الفعل . و « العزم » نوعان . أحدهما : عزم المريد على الدخول في الطريق وهو من البدايات . والثاني : عزم في حال السير معه . وهو أخص من هذا . وهو من المقامات . وسنذكره في موضعه إن شاء اللّه . وفي هذه المنزلة يحتاج السالك إلى تمييز ما له مما عليه ، ليستصحب ما له ويؤدي ما عليه . وهو « المحاسبة » وهي قبل « التوبة » في المرتبة . فإنه إذا عرف ما له وما عليه أخذ في أداء ما عليه ، والخروج منه . وهو « التوبة » . وصاحب المنازل قدم التوبة على المحاسبة . ووجه هذا : أنه رأى « التوبة » أول منازل السائر بعد يقظته ، ولا تتم التوبة إلا بالمحاسبة . فالمحاسبة تكميل مقام التوبة . فالمراد بالمحاسبة الاستمرار على حفظ التوبة ، حتى لا يخرج عنها . وكأنه وفاء بعقد التوبة . ترتيب مقامات السالك واعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ، ويفارقه وينتقل إلى الثاني . كمنازل السير الحسي . هذا محال . ألا ترى أن « اليقظة » معه في كل مقام لا تفارقه ، وكذلك « البصيرة » و « الإرادة » و « العزم » وكذلك « التوبة » فإنها كما أنها من أول المقامات فهي