ابن قيم الجوزية
72
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قواعد العبودية ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة . من كمّلها كمل مراتب العبودية . وبيانها : أن العبودية منقسمة على القلب ، واللسان ، والجوارح . وعلى كل منها عبودية تخصه . والأحكام التي للعبودية خمسة : واجب ، ومستحب ، وحرام ، ومكروه ، ومباح . وهي لكل واحد من القلب ، واللسان ، والجوارح . فواجب القلب : منه متفق على وجوبه ، ومختلف فيه . فالمتفق على وجوبه : كالإخلاص ، والتوكل ، والمحبة ، والصبر ، والإنابة ، والخوف ، والرجاء ، والتصديق الجازم ، والنية في العبادة . وهذه قدر زائد على الإخلاص . فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره . ونية العبادة لها مرتبتان : إحداهما : تمييز العبادة عن العادة . والثانية : تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض . والأقسام الثلاثة واجبة . وكذلك الصدق . والفرق بينه وبين الإخلاص : أن للعبد مطلوبا وطلبا ، فالإخلاص : توحيد مطلوبه . والصدق : توحيد طلبه . فالإخلاص : أن لا يكون المطلوب منقسما . والصدق : أن لا يكون الطلب منقسما . فالصدق بذل الجهد ، والإخلاص إفراد المطلوب . واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة . وكذلك النصح في العبودية . ومدار الدين عليه . وهو بذل الجهد في إيقاع العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضي له . وأصل هذا واجب . وكماله مرتبة المقربين . وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان ، واجب مستحق . وهو مرتبة أصحاب اليمين ، وكمال مستحب . وهو مرتبة المقربين . وكذلك الصبر واجب باتفاق الأمة ، قال الإمام أحمد : ذكر اللّه الصبر في تسعين موضعا من القرآن ، أو بضعا وتسعين ، وله طرفان أيضا : واجب مستحق ، وكمال مستحب . وأما المختلف فيه : فكالرضا . فإن في وجوبه قولين للفقهاء والصوفية . والقولان لأصحاب أحمد . فمن أوجبه قال : السخط حرام . ولا خلاص عنه إلا بالرضا . وما لا خلاص عن الحرام إلا به فهو واجب . واحتجوا بأثر « من لم يصبر على بلائي ، ولم يرض بقضائي ، فليتخذ ربّا سواي » . ومن قال هو مستحب ، قال : لم يجئ الأمر به في القرآن ولا في السنة ، بخلاف الصبر ،