ابن قيم الجوزية

71

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم « 1 » ، متورعين عما يخافون ضرره . وخاصتهم : قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية « 2 » فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين ، بل كل أعمالهم راجحة . ومن دونهم يترك المباحات مشتغلا عنها بالعبادات . وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات . ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا اللّه .

--> ( 1 ) الزهد في الشيء : إنما يكون عن استغناء عنه واحتقار له واستصغار لشأنه . ولذلك لم يرد في القرآن إلا في شأن الذين اشتروا يوسف عليه السلام بثمن بخس دراهم معدودة والمؤمن لا يمكن أن يرى شيئا مما أحله اللّه من الطيبات حقيرا ، ولا يستغني عنه ، لأنه نعمة كريمة من ربه الحكيم ، واحتقار النعمة واستصغارها كفر بها وبمن أنعم بها . ومن ثم لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يزهد في مباح أحله اللّه أبدا ، بل كان يأكل ما يجد ويلبس ما يجد من الحلال الطيب ، وكان يمقت الزهد في الحلال ممن يحاوله ، كمقته زهد من زهدوا في اللحم والنساء ونوم الليل وفطر النهار ، إذ سمعهم يحسنون ذلك ويقصدون العزم على فعله . وأشقى الناس وأخسرهم - في الأولى والآخرة - وأمقتهم عند اللّه : الذين زهدوا في نعم اللّه ، فاحتقروها ، وزعم لهم شيطانهم أنها باطل وشر ، وإن الخير كل الخير لهم في الزهد فيها والتجافي عنها والاستغناء الفطري عنها ، فشقوا في الدنيا والآخرة واضطروا أن يأخذوها من طريق حرام ، لأن معايشهم لازم لها هذه النعم . أما المؤمنون الراشدون : فيرون أنها كلها حق وحكمة ، وأن اللّه ما خلق شيئا باطلا ولا عبثا ، فهم أبدا يثنون بها على مسديها سبحانه ، محسنين الانتفاع بها ، بوضعها في مواضعها في كل وقت وحال بما يناسبه ، مقدرين لها قدرها ، وقدر ما فيها من الخير والجمال ، لأنها من اللّه الذي لا يكون منه إلا الخير والجميل ، فيزيدهم اللّه بها حسنا و لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ و الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ . ( 2 ) يقصد رحمه اللّه من « النية » عقد القلب وتوجه عزمه وقصده في حسن تلقي هذه النعم والآلاء ، بأنها من ربهم العليم الحكيم ، الذي ما أعطى عباده هذه النعم إلا ليربيهم بها ، وينمي فيهم ملكات الخير ، ويزيدهم بها من عناصر الإنسانية الكريمة يرقون بها على معارج الخير والإحسان والرشد والحكمة ، فيكونون من الأبرار . فهم في كل شؤونهم وأحوالهم عابدون ذاكرون لربهم الرحمن ، بكل أنواع الذل والخضوع والمحبة والإسلام . فهم في حقلهم عابدون ، وفي متاجرهم عابدون ، وفي مضاجعهم مع أزواجهم عابدون ، وهكذا لا يرون في شيء مما آتاهم اللّه ما يشغلهم عن ربهم وينسيهم أسماءه ، وما يرون في شيء إلا أنه عنصر جديد من عناصر التربية والإحسان ، فيزدادون لمسديها إليهم سبحانه شكرا وحبا وخضوعا وذلا وإسلاما وطاعة . وليس المراد من « النية » المعنى الاصطلاحي في كتب الفقه ، الذي يريدون منه أن يقصد العبادة الاصطلاحية الصورية ، ويعبرون عنها بقولهم : نويت كذا للّه - ويقصدون من ذلك : أن نية الموافقة في الأكل واللبس ونحو ذلك من المباحات للرسول صلى اللّه عليه وسلم : تجعل المباح عبادة اصطلاحية ، ومشروعة لها حكم بقية ما شرع اللّه لرسوله في العبادات . فإن هذا هو الباب الذي دخل منه الشيطان بالبدع المحدثة ، وحسنها إلى قلوب أكثر الناس وأعمالهم ، فطم بها الوادي ، وعمت بها البلوى ، حتى جرهم إلى الشرك والوثنية . والذي ينبغي أن يعرفه المؤمن ويدين به من صميم قلبه : أن الأعمال والأحوال البشرية للرسول صلى اللّه عليه وسلم هي منه كغيرها من غيره من بقية البشر . لأن اللّه يقول له : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ * فلا ينبغي أبدا أن تخلط بالرسالة وأعمالها وأحوالها ، فإنها من عند اللّه ، وقد جعلها لنا دينا ، وجعل فيها الأسوة الحسنة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهو مقام ينبغي التأمل فيه حق التأمل . فإنه دقيق ، غاب فهمه عن كثير فأخطأهم التوفيق . واللّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل .