ابن قيم الجوزية
70
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة ، لأن أصل معنى اللفظة : الذل والخضوع . يقال « طريق معبّد » إذا كان مذللا بوطء الأقدام ، و « فلان عبّده الحب » إذا ذلله ، لكن أولياءه خضعوا له وذلّوا طوعا واختيارا ، وانقيادا لأمره ونهيه . وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما . ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة : انقسام « القنوت » إلى خاص وعام ، و « السجود » كذلك . قال تعالى في القنوت الخاص أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزّمر : 9 ] وقال في حق مريم : وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [ التّحريم : 12 ] وهو كثير في القرآن . وقال في القنوت العام : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [ الروم : 26 ] أي خاضعون أذلاء . وقال في السجود الخاص إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [ الأعراف : 206 ] وقال إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [ مريم : 58 ] وهو كثير في القرآن . وقال في السجود العام وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [ الرعد : 15 ] . ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [ الحجّ : 18 ] فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ [ النحل : 49 ] وهو سجود الذل والقهر والخضوع . فكل أحد خاضع لربوبيته ، ذليل لعزته . مقهور تحت سلطانه تعالى . في مراتب « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » علما وعملا للعبودية مراتب ، بحسب العلم والعمل . فأما مراتبها العلمية فمرتبتان : إحداهما : العلم باللّه . والثانية : العلم بدينه . فأما العلم به سبحانه ، فخمس مراتب : العلم بذاته ، وصفاته ، وأفعاله ، وأسمائه ، وتنزيهه عما لا يليق به . والعلم بدينه مرتبتان . إحداهما : دينه الأمري الشرعي . وهو الصراط المستقيم الموصل إليه . والثانية : دينه الجزائي ، المتضمن ثوابه وعقابه . وقد دخل في هذا العلم العلم بملائكته وكتبه ورسله . وأما مراتبها العلمية ، فمرتبتان : مرتبة لأصحاب اليمين ، ومرتبة للسابقين المقربين . فأما مرتبة أصحاب اليمين : فأداء الواجبات ، وترك المحرمات ، مع ارتكاب المباحات ، وبعض المكروهات ، وترك بعض المستحبات . وأما مرتبة المقربين : فالقيام بالواجبات والمندوبات . وترك المحرمات والمكروهات ،