ابن قيم الجوزية
691
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
المقدسة . فإن الجبل لم يثبت لليسير من ذلك النور حتى تدكدك وخرّ الكليم صعقا ، مع عدم تجليه له . فما الظن بغيره ؟ . فإياك ثم إياك وترهات القوم وخيالاتهم وأوهامهم ، فإنها عند العارفين أعظم من حجاب النفس وأحكامها . فإن المحجوب بنفسه معترف بأنه في ذلك الحجاب . وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى أن الحقيقة قد تجلت له أنوارها . ولم يحصل ذلك لموسى بن عمران كليم الرحمن . فحجاب هؤلاء أغلظ بلا شك من حجاب أولئك . ولا يقر لنا بهذا إلا عارف قد أشرق في باطنه نور السنة المحمدية . فرأى ما الناس فيه . وما أعز ذلك في الدنيا وما أغربه بين الخلق ! وباللّه المستعان . فالصادقون في أنوار معارفهم وعباداتهم وأحوالهم ليس إلا . وأنوار ذات الرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله . وهذا الموضع من مقاطع الطريق ، وللّه كم زلت فيه أقدام ! وضلت فيه أفهام ! وحارت فيه أوهام ! ونجا منه صادق البصيرة ، تام المعرفة ، علمه متصل بمشكاة النبوة . وباللّه التوفيق . منزلة الوجد ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الوجد » . ثبت في « الصحيحين » من حديث أنس رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما . وأن يحب المرء لا يحبه إلا للّه . وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه اللّه منه - كما يكره أن يلقى في النار » . وقد استشهد صاحب المنازل بقوله تعالى في أهل الكهف وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ( 14 ) [ الكهف : 14 ] وهذا من أحسن الاستدلال والاستشهاد . فإن هؤلاء كانوا بين قومهم الكفار في خدمة ملكهم الكافر . فما هو إلا أن وجدوا حقيقة الإيمان والتوفيق ، وذاقوا حلاوته ، وباشر قلوبهم . فقاموا من بين قومهم ، وقالوا : رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الكهف : 14 ] - الآية » . والربط على قلوبهم : يتضمن الشدّ عليها بالصبر والتثبيت ، وتقويتها وتأييدها بنور الإيمان ، حتى صبروا على هجران دار قومهم ، ومفارقة ما كانوا فيه من خفض العيش . وفروا بدينهم إلى الكهف . والربط على القلب : عكس الخذلان . فالخذلان : حلّه من رباط التوفيق . فيغفل عن ذكر ربه . ويتبع هواه ، ويصير أمره فرطا . والربط على القلب : شده برباط التوفيق . فيتصل بذكر ربه . ويتبع مرضاته . ويجتمع عليه شمله . فلهذا استشهد عليه بهذه الآية في مقام « الوجد » . والشيخ جعل مقام « الوجد » غير مقام « الوجود » كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى فإن « الوجود » عند القوم هو الظفر بحقيقة الشيء . و « الوجد » هو ما يصادف القلب ، ويرد عليه من واردات المحبة والشوق ، والإجلال والتعظيم ، وتوابع ذلك . و « المواجيد » عندهم فوق الوجد . فإن « الوجد » مصادفة . و « المواجيد » ثمرات الأوراد . وكلما كثرت الأوراد قويت المواجيد .