ابن قيم الجوزية

692

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

و « الوجود » عندهم فوق ذلك . وهو الظفر بحقيقة المطلوب ، ولا يكون إلا بعد خمود البشرية ، وانسلاخ أحكام النفس انسلاخا كليا . قال الجنيد : علم التوحيد مباين لوجوده ، ووجوده مباين لعلمه . ولا يريد بالمباينة : المخالفة والمناقضة . فإنه يطابقه مطابقة العلم للمعلوم . وإنما يريد بالمباينة : أن حال الموحد وذوقه للتوحيد ، وانصباغ قلبه بحاله : أمر وراء علمه به ، ومعرفته به « 1 » . والمباينة بينهما كالمباينة بين علم الشوق والتوكل والخوف ونحوها ، وبين حقائقها ومواجيدها . فالمراتب أربعة : المرتبة الأولى أضعفها « التواجد » وهو نوع تكلف وتعمّل واستدعاء . واختلفوا فيه : هل يسلم لصاحبه أم لا ؟ على قولين : فطائفة قالت : لا يسلم لصاحبه . وينكر عليه ، لما فيه من التكلف والتصنع المباين لطريق الصادقين . وبناء هذا الأمر على الصدق المحض . وطائفة قالت : يسلم لصاحبه إذا كان قصده استدعاء الحقيقة ، لا التشبه بأهلها . واحتجوا بقول عمر رضي اللّه عنه - وقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر يبكيان في شأن أسارى بدر ، وما قبلوا منهم من الفداء - « أخبراني ما يبكيكما ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإلا تباكيت » ورووا أثرا « ابكوا . فإن لم تبكوا فتباكوا » . قالوا : والتكلف والتعمّل في أوائل السير والسلوك لا بدّ منه . إذ لا يطالب صاحبه بما يطالب به صاحب الحال . ومن تأمله بنية حصول الحقيقة لمن رصد الوجد لا يذم . و « التواجد » يكون بما يتكلفه العبد من حركات ظاهرة « والمواجيد » لمن يتأوله من أحكام باطنة . المرتبة الثانية : المواجيد ، وهي نتائج الأوراد وثمراتها . المرتبة الثالثة « الوجد » وهو ثمرة أعمال القلوب ، من الحب في اللّه والبغض فيه ، كما جعله النبي صلى اللّه عليه وسلم ثمرة كون اللّه ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما . وثمرة الحب فيه ، وكراهة عوده في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . فهذا « الوجد » ثمرة هذه الأعمال القلبية ، التي هي الحب في اللّه والبغض في اللّه . المرتبة الرابعة « الوجود » وهي أعلى ذروة مقام الإحسان . فمن مقام الإحسان يرقى إليه . فإنه إذا غلب على قلبه مشاهدة معبوده ، حتى كأنه يراه - وتمكن في ذلك - صار له ملكة أخمدت أحكام نفسه ، وتبدل بها أحكاما أخر ، وطبيعة ثانية ، حتى كأنه أنشىء نشأة أخرى غير نشأته الأولى ، وولد ولادا جديدا . ومما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه قال « يا بني إسرائيل ، لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين » .

--> ( 1 ) هذا المعنى لا يمكن أن يدخل تحت ما تعطي العبارة بحسب اللغة . فإن المباينة عندهم معروفة ، يطلبها من كتبهم من أراد معرفة حقيقة عقيدتهم وتوحيدهم المباين لتوحيد الرسل . يشير إليها ما يقولون عن الانسلاخ من البشرية .