ابن قيم الجوزية
690
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
مجمعون على أن النفس من أعظم الحجب . بل هي الحجاب الأكبر ، فإن حجاب الرب سبحانه عن ذاته هو « النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » وحجابه من عبده : هو نفسه وظلمته ، فلو كشف عنه هذا الحجاب لوصل إلى ربه . والوصول عند القوم : عبارة عن ارتفاع هذا الحجاب وزواله . فالحجاب الذي يشتد على المحب ، ويشتد عطشه إلى زواله : هو حجاب الظلمة والنفس . وهو الحجاب الذي بينه وبين اللّه . وأما الحجاب الذي بين اللّه وبين خلقه - وهو حجاب النور - فلا سبيل إلى كشفه في هذا العالم البتة . ولا يطمع في ذلك بشر . ولم يكلم اللّه بشرا إلا من وراء حجاب . وهذا الحجاب كاشف للعبد ، موصل له إلى مقام الإحسان الذي يعبر عنه القوم بمقام « المشاهدة » والأول ساتر للعبد . قاطع له ، حائل بينه وبين الإحسان ، وحقيقة الإيمان . والتفرقة كلها عندهم حجب ، إلا تفرقة في اللّه وباللّه وللّه . فإنها لا تحجب العبد عنه . بل توصله إليه . فلذلك قال « ولا يغطيها حجاب تفرقة » فإن التفرقة إنما تكون حجابا إذا كانت بالنفس ولها « 1 » . قوله « ولا يعرج دونها على انتظار » يعني : لا يعرج المشاهد لما يشاهده على انتظار أمر آخر وراءها . كما يعرج المحب المحجوب على انتظار زوال حجابه . والمراد : أنه حصل له مشهد تام . لا يبقى له بعده ما ينتظره . وهذا عندي وهم بين . فإنه لا غاية لجمال المحبوب ، وكمال صفاته . بحيث يصل المشاهد لها إلى حالة لا ينتظر معها شيئا آخر . هذا . وسنبين - إن شاء اللّه تعالى - أنه لا يصح لأحد في الدنيا مقام « المشاهدة » أبدا ، وأن هذا من أوهام القوم وترهاتهم « 2 » . وإنما غاية ما يصل إليه العبد : الشواهد . ولا سبيل لأحد قط في الدنيا إلى مشاهدة الحق سبحانه . وإنما وصوله إلى شواهد الحق . ومن زعم غير هذا فلغلبة الوهم عليه ، وحسن ظنه بترهات القوم وخيالاتهم . وللّه درّ الشبلي حيث سئل عن المشاهدة ؟ فقال : من أين لنا مشاهدة الحق ؟ لنا شاهد الحق . هذا ، هو صاحب الشطحات المعروفة ، وهذا من أحسن كلامه وأبينه . وأراد بشاهد الحق : ما يغلب على القلوب الصادقة العارفة الصافية : من ذكره ومحبته ، وإجلاله وتعظيمه وتوقيره ، بحيث يكون ذلك حاضرا فيها ، مشهودا لها ، غير غائب عنها . ومن أشار إلى غير ذلك فمغرور مخدوع . وغايته : أن يكون في خفارة صدقه ، وضعف تمييزه وعلمه . ولا ريب أن القلوب تشاهد أنوارا بحسب استعدادها . تقوى تارة ، وتضعف أخرى . ولكن تلك أنوار الأعمال والإيمان والمعارف ، وصفاء البواطن والأسرار . لا أنها أنوار الذات
--> ( 1 ) يعني أن النفس عندهم حجاب : يعنون رؤيتها والاعتراف بالسنن الكونية فيها . فتحول بين معرفة الحقيقة الوجودية : أنه ما ثم غير . وأن ليس إلا اللّه . حتى يهتف العارف « سبحاني » « ما في الجبة إلا اللّه » فهم لذلك يذمون التفرقة أشد الذم . ( 2 ) أو من اعتقادهم الصوفي العميق القديم : أن ربهم هو النواة المادة الأولى .