ابن قيم الجوزية
689
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
إما أن يريد بالأجل الذي يطويه : انقضاء مدة سجن القلب والروح في البدن ، حتى تصل إلى ربها وتلقاه ، وهذا هو الظاهر من كلامه . وإما أن يريد به : عطشه إلى مقصود السلوك من وصوله إلى محبوبه ، وقرة عينه وجمعيته عليه . فهو يطوي مراحل سيره حثيثا ، ليصل إلى هذا المقصود ، وحينئذ يعود إليه سير آخر وراء هذا السير ، مع عدم مفارقته له . فإنه إنما وصل به إليه . فلو فارقه لانقطع انقطاعا كليا . ولكن يبقى له سير ، وهو مستلق على ظهره ، يسبق به السعاة . ويرجح هذا المعنى الثاني : أن المريد الصادق لا يحب الخروج من الدنيا ، حتى يقضي نحبه ، لعلمه أنه لا سبيل إلى انقضائه في غير هذه الدار . فإذا علم أنه قد قضى نحبه : أحب حينئذ الخروج منها . ولكن لا يقضي نحبه حتى يوفي ما عليه « 1 » . والناس ثلاثة : موف قد قضى نحبه ، ومنتظر للوفاء ساع فيه حريص عليه ، ومفرط في وفاء ما عليه من الحقوق . واللّه المستعان . قوله « ويوم يريه ما يغنيه » أي يوم يرى فيه ما يغني قلبه ، ويسد فاقته من قرة عينه بمطلوبه ومراده . قوله « ومنزل يستريح فيه » أي منزل من منازل السير ، ومقام من مقامات الصادقين ، يستريح فيه قلبه ، ويسكن فيه . ويخلص من تلون الأحوال عليه . فإن المقامات منازل . والأحوال مراحل . فصاحب الحال ، شديد العطش إلى مقام يستقر فيه وينزله . قال « الدرجة الثالثة : عطش المحب إلى جلوة ، ما دونها سحاب علة . ولا يغطيها حجاب تفرقة . ولا يعرج دونها على انتظار » . عطش المحب : فوق عطش المريد ، والسالك . وإن كان كل محب سالكا وكل مريد سالكا . وكل سالك ومريد محب . لكن خص « المحب » بهذا الاسم لتمكنه من المحبة ، ورسوخ قلبه فيها . والمريد والسالك : يشمران إلى علمه الذي رفع له ، ووصل إليه . ولذلك جعل الأولى : لأهل البدايات . والثانية : للمتوسطين . والثالثة : لأهل النهايات . وقوله « عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب » . يريد بالجلوة : استجلاء القلب لصفات المحبوب ومحاسنه ، وانكشافها له . وقوله « ما دونها سحاب » أي لا يسترها شيء من سحب النفس . وهي سحب العلل التي هي بقايا في العبد ، تحول بينه وبين استجلائه صفات محبوبه ، وتعوقه عنه . فمهما بقي في العبد بقية من نفسه ، فهي سحاب وغيم ساتر على قدره . فكثيف ورقيق ، وبين بين . قوله « ولا يغطيها حجاب » الحجاب في لسان الطائفة : النفس وصفاتها وأحكامها . وهم
--> ( 1 ) لكن للطائفة مقصد غير هذا من انطواء الأجل . هو عندهم : انطواء مراحل السير الرياضي بتعذيب النفس - على طريق صوفية الهند - حتى يوهمه مولاه أنه خلص من الغيرية بالوصول إلى عين الجمع والفناء . ومن تأمل قوله في الدرجة الثالثة - مع فهمه لإشاراتهم ومعرفته لمنابع عقائدهم - اتضح له معنى الجلوة ، وأنها انكشاف ما خفي على غيرهم من الوحدة .