ابن قيم الجوزية

686

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وفي قوله « صفو المحبة » إشارة إلى أنها محبة لم تكن لأجل المنة والنعم . ولكن محبة متعلقة بالذات والصفات . قوله « فنغصت العيش » أي منعت صاحبها السكون إلى لذيذ العيش . و « التنغيص » قريب من التكدير . قوله « وسلبت السلوة » أي نهبت السلو وأخذته قهرا . و « السلوة » هي الخلاص من كرب المحبة ، وإلقاء حمله عن الظهر . والإعراض عن المحبوب تناسيا . وقوله « لم ينهنهها معزى دون اللقاء » أي لم يكفّها ويردها قرار دون لقاء المحبوب . وهذه لا يقاومها الاصطبار . لأنه لا يكفها دون لقاء من يحب قرار . منزلة القلق وقد يقوى هذا الشوق ، ويتجرد عن الصبر . فيسمى « قلقا » وبذلك سماه صاحب المنازل ، واستشهد عليه بقوله تعالى - حاكيا عن كليمه موسى صلى اللّه عليه وسلم - وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [ طه : 84 ] فكأنه فهم : أن عجلته إنما حمله عليها القلق . وهو تجريد الشوق للقائه وميعاده . وظاهر الآية : أن الحامل لموسى على العجلة : هو طلب رضى ربه ، وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره ، والعجلة إليها . ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل . سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال : إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره . ثم حده صاحب المنازل بأنه « تجريد الشوق بإسقاط الصبر » أي تخلصه من كل شائب بحيث يسقط معه الصبر ، فإن قارنه اصطبار فهو شوق . درجات القلق ثم قال : « وهو على ثلاث درجات ، الدرجة الأولى : قلق يضيق الخلق ، ويبغض الخلق . ويلذذ الموت » يعني : يضيق خلق صاحبه عن احتمال الأغيار . فلا يبقى فيه اتساع لحملهم ، فضلا عن تقييدهم له ، وتعوقه بأنفاسهم . و « يبغض الخلق » يعني : لا شيء أبغض إلى صاحبه من اجتماعه بالخلق . لما في ذلك من التنافر بين حاله وبين خلطتهم . وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - قال ؛ كان في بداية أمره : يخرج أحيانا إلى الصحراء يخلو عن الناس ، لقوة ما يرد عليه . فتبعته يوما فلما أصحر تنفس الصعداء . ثم جعل يتمثل بقول الشاعر - وهو لمجنون ليلى من قصيدته الطويلة - : وأخرج من بين البيوت لعلني * أحدث عنك النفس بالسر خاليا وصاحب هذه الحال : إن لم يرده اللّه سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوة ، وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم . قوله « ويلذذ الموت » فإن صاحبه يرجو فيه لقاء محبوبه . فإذا ذكر الموت التذ به ، كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه .