ابن قيم الجوزية
687
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قال « الدرجة الثانية : قلق يغالب العقل ، ويخلّي السمع ، ويطاول الطاقة » أي يكاد يقهر العقل ويغلبه . فهو والعقل تارة وتارة . ولكن لما لم يصل إلى درجة الشهود لم يصطلمه . فإن العقل لا يصطلمه إلا الشهود . ولذلك قال « يغالب » ولم يقل « يغلب » . وأما « إخلاؤه السمع » فهو يتضمن إخلاءه من شيء ، وإخلاءه لشيء . فيخليه من استماعه ذكر الغير ، ويخليه لاستماعه أوصاف المحبوب ، وذكره وحديثه . وقد يقوى إلى أن يبعد بين قلب صاحبه وبين إدراك الحواس . لانقهار الحس لسلطان القلق . قوله « ويطاول الطاقة » يعني : يصابرها ويقاومها . فلا تقدر طاقة الاصطبار على دفعه ورده . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثالثة : قلق لا يرحم أبدا . ولا يقبل أمدا ، ولا يبقي أحدا » يريد : أن هذا القلق له القهر والغلبة . لأنه ربما كان عن شهود . فإذا علق بالقلب لم يبق عليه حتى يلقيه في فناء الشهود . « ولا يقبل أمدا » أي لا يقبل حدا ومقدارا يقف عنده . وينقضي به ، كما ينقضي ذو الأمد . فإنه حاكم غير محكوم عليه ، مالك للقلب غير مملوك له . « ولا يبقي أحدا » أي يلقي صاحبه في الشهود الذي تفنى فيه الرسوم . وتضمحل . فلا يبقى معه على أحد رسمه حتى يفنيه . واللّه أعلم . منزلة العطش ثم يقوى هذا « القلق » ويتزايد حتى يورث القلب حالة شبيهة بشدة ظمأ الصادي الحران إلى الماء ، وهذه الحالة هي التي يسميها صاحب المنازل « العطش » واستشهد عليه بقوله تعالى عن الخليل فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي [ الأنعام : 76 ] كأنه أخذ من إشارة الآية : أنه لشدة عطشه إلى لقائه محبوبه - لما رأى الكوكب - قال : هذا ربي . فإن العطشان إذا رأى السراب ذكر به الماء . فاشتد عطشه إليه . وهذا ليس معنى الآية قطعا . وإنما القوم مولعون بالإشارات . وإلا فالآية قد قيل : إنها على تقدير الاستفهام . أي أهذا ربي ؟ » وليس بشيء « 1 » . وقيل : إنها على وجه إقامة الحجة على قومه . فتصور بصورة الموافق ، ليكون أدعى إلى القبول . ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصا آفلا . فإن المعبود الحق : لا يجوز أن يغيب عن عابديه وخلقه ، ويأفل عنهم . فإن ذلك مناف لربوبيته لهم . أو أنه انتقل من مراتب الاستدلال على المعبود حتى أوصله الدليل إلى الذي فطر السماوات والأرض . فوجه إليه وجهه حنيفا موحدا ، مقبلا عليه ، معرضا عما سواه . واللّه سبحانه أعلم .
--> ( 1 ) لعل هذا هو الوجه الواضح في سياق الآيات . فإنه عليه السلام إنما يحاج قومه . وما يحاججهم إلا بما هو مؤمن موقن به . ومن المحال أنه يحاججهم بما هو شاك فيه . ولذلك قال : « أتحاجوني في اللّه ، وقد هدان ؟ » ثم هو سياق واضح في الاستفهام الإنكاري التوبيخي . وذلك أسلوب من المحاجة رفيع ، وأسلوب من التأنيب والتقريع شديد .