ابن قيم الجوزية
661
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
المنفصل عندهم : هو المحبوب لذاته . والرب تعالى محبوب لغيره حب الوسائل . وأولوا نصوص محبته لهم بإحسانه إليهم . وإعطائهم الثواب . وربما أولوها بثنائه عليهم ومدحه لهم . ونحو ذلك . وربما أولوها بإرادته لذلك . فتارة يؤولونها بالمفعول المنفصل . وتارة يؤولونها بنفس الإرادة . ويقولون : الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال والمقامات العلية : سميت « محبة » وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام : سميت « غضبا » وإن تعلقت بعموم الإحسان والإنعام الخاص : سميت « برا » وإن تعلقت بإيصاله في خفاء ، من حيث لا يشعر ، ولا يحتسب : سميت « لطفا » وهي واحدة . ولها أسماء وأحكام باعتبار متعلقاتها . ومن جعل محبته للعبد ثناءه عليه ومدحه له : ردها إلى صفة الكلام . فهي عنده من صفات الذات ، لا من صفات الأفعال . والفعل عنده نفس المفعول . فلم يقم بذات الرب محبة لعبده ، ولا لأنبيائه ورسله البتة . ومن ردها إلى صفة « الإرادة » جعلها من صفات الذات باعتبار أصل الإرادة ، ومن صفات الأفعال باعتبار تعلقها . ولما رأى هؤلاء أن المحبة إرادة ، وأن الإرادة لا تتعلق إلا بالمحدث المقدور ، والقديم يستحيل أن يراد : أنكروا محبة العباد ، والملائكة والأنبياء ، والرسل له . وقالوا : لا معنى لها إلا إرادة التقرب إليه ، والتعظيم له ، وإرادة عبادته . فأنكروا خاصة الإلهيّة ، وخاصة العبودية . واعتقدوا أن هذا من موجبات التوحيد والتنزيه . فعندهم لا يتم التوحيد والتنزيه إلا بجحد حقيقة الإلهية ، وجحد حقيقة العبودية . وجميع طرق الأدلة - عقلا ونقلا وفطرة ، وقياسا واعتبارا ، وذوقا ووجدا - تدل على إثبات محبة العبد لربه ، والرب لعبده . وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة « 1 » . وذكرنا فيه فوائد المحبة ، وما تثمر لصاحبها من الكمالات ، وأسبابها وموجباتها ، والرد على من أنكرها . وبيان فساد قوله ، وأن المنكرين لذلك قد أنكروا خاصة الخلق والأمر ، والغاية التي وجدوا لأجلها . فإن الخلق والأمر ، والثواب ، والعقاب : إنما نشأ عن « المحبة » ولأجلها . وهي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض . وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي . وهي سر التأليه . وتوحيدها : هو شهادة أن لا إله إلا اللّه . وليس كما زعم المنكرون : أن « الإله » هو الرب الخالق . فإن المشركين كانوا مقرين بأنه لا رب إلا اللّه ، ولا خالق سواه ، وبأنه وحده المنفرد بالخلق والربوبية . ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية . وهو المحبة والتعظيم ، بل كانوا يؤلهون مع اللّه غيره . وهذا هو الشرك الذي لا يغفره اللّه ، وصاحبه ممن اتخذ من دون اللّه أندادا . قال اللّه تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ البقرة : 165 ]
--> ( 1 ) كتاب روضة المحبين . وهو من خير مؤلفات الإمام ابن القيم رحمه اللّه .