ابن قيم الجوزية
662
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فأخبر أن من أحب من دون اللّه شيئا ، كما يحب اللّه تعالى : فهو ممن اتخذ من دون اللّه أندادا ، فهذا ندّ في المحبة ، لا في الخلق والربوبية . فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية ، بخلاف ند المحبة . فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون اللّه أندادا في الحب والتعظيم . ثم قال : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] وفي تقدير الآية قولان : أحدهما : « والذين آمنوا أشد حبا للّه » من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ، ويعظمونها من دون اللّه . والثاني « والذين آمنوا أشد حبا للّه » من محبة المشركين بالأنداد للّه . فإن محبة المؤمنين خالصة ، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها . والمحبة الخالصة : أشد من المشتركة . والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ البقرة : 165 ] فإن فيها قولان : أحدهما : يحبونهم كما يحبون اللّه . فيكون قد أثبت لهم محبة اللّه . ولكنها محبة يشركون فيها مع اللّه أندادا . والثاني : أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون اللّه . ثم بين أن محبة المؤمنين للّه أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم « 1 » . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يرجح القول الأول ، ويقول : إنما ذمّوا بأن أشركوا بين اللّه وبين أندادهم في المحبة . ولم يخلصوها للّه كمحبة المؤمنين له . وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم . وهم في النار يقولون لآلهتهم وأندادهم ، وهي محضرة معهم في العذاب تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) [ الشّعراء : 97 ، 98 ] ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية « 2 » . وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم . وهذا أيضا هو العدل المذكور في قوله تعالى ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] أي يعدلون به غيره في العبادة « 3 » التي هي المحبة والتعظيم . وهذا أصح القولين . وقيل : الباء . بمعنى « عن » والمعنى : ثم الذين كفروا عن ربهم يعدلون عن عبادته إلى عبادة
--> ( 1 ) وفي الآية معنى آخر - واللّه أعلم - هو أنهم يحبون أندادهم حبا من جنس محبة المؤمنين اللّه وهي محبة ممتزجة بذل وتعظيم ، وتقديس يحملهم على عبادتهم بالدعاء وغيره من أنواع العبادة ، وعلى طاعتهم فيما يشرعون لهم من الدين الخرافي الوثني وهي على كل حال محبة لا يثبت القلب عليها . لأنها على خلاف ما فطر عليه . لأنها محبة تقليدية جاهلية . ولذلك تنتقل من ولي إلى ولي ، ومن حجر إلى حجر ، وهكذا بحسب ما أوهمهم شياطين الإنس والجن من السر في هذا الولي ، والبركة في هذا الحجر ونحوه . أما المؤمن الصادق : فمحبته تقوم على العلم الصحيح من معرفة اللّه بأسمائه وصفاته ، وآثارها في الأنفس والآفاق . فلن يتحول عنها ولو مزق إربا . ( 2 ) بلى سووهم به في خصائص الربوبية ، وهي التشريع . كما قال اللّه عنهم اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] وفي حديث عدي بن حاتم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شرح ذلك . ( 3 ) وعدلوا به في الطاعة والتشريع .