ابن قيم الجوزية

654

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد * ودعه . فإن الشوق يكفيك حاملا وخذ منهم زادا إليهم . وسر على * طريق الهدى والفقر تصبح واصلا وأحي بذكراهم سراك ، إذا ونت * ركابك ، فالذكرى تعيدك عاملا وإما تخافنّ الكلال . فقل لها : * أمامك ورد الوصل ، فابغ المناهلا وخذ قبسا من نورهم . ثم سر به * فنورهم يهديك . ليس المشاعلا وحيّ على واد الأراك ، فقل به * عساك تراهم فيه ، إن كنت قائلا وإلا ففي نعمان عند معرّف ال * أحبة . فاطلبهم إذا كنت سائلا وإلا ففي جمع « 1 » بليلته . فإن * تفت ، فمتى ؟ يا ويح من كان غافلا وحيّ على جنات عدن بقربهم * منازلك الأولى بها كنت نازلا ولكن سباك الكاشحون . لأجل ذا * وقفت على الأطلال تبكي المنازلا فدعها رسوما دارسات . فما بها * مقيل . فجاوزها . فليست منازلا رسوم عفت يفنى بها الخلق كم بها * قتيل ؟ وكم فيها لذا الخلق قاتلا ؟ وخذ يمنة عنها على المنهج الذي * عليه سرى وفد المحبة آهلا وقل : ساعدي ، يا نفس بالصبر ساعة * فعند اللقا ذا الكدّ يصبح زائلا فما هي إلا ساعة . ثم تنقضي * ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا أول نقدة من أثمان المحبة : بذل الروح . فما للمفلس الجبان البخيل وسومها ؟ بدم المحب يباع وصلهم * فمن الذي يبتاع بالثمن ؟ تاللّه ما هزلت فيستامها المفلسون . ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون . لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد . ؟ فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس . فتأخر البطالون . وقام المحبون ينظرون : أيهم يصلح أن يكون ثمنا ؟ فدارت السلعة بينهم . ووقعت في يد أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] . لما كثر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى . فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخليّ حرقة الشّجيّ . فتنوع المدعون في الشهود . فقيل : لا تقبل هذه الدعوى إلا ببيّنة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . فتأخر الخلق كلهم . وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه . فطولبوا بعدالة البينة بتزكية يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [ المائدة : 54 ] . فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون ، فقيل لهم : إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم . فهلموا إلى بيعة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التّوبة : 111 ] . فلما عرفوا عظمة المشتري ، وفضل الثمن ، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع : عرفوا قدر السلعة ، وأن لها شأنا . فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس . فعقدوا معه بيعة

--> ( 1 ) يقصد عرفة . وجمع : مزدلفة .