ابن قيم الجوزية
655
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الرضوان بالتراضي ، من غير ثبوت خيار . وقالوا « واللّه لا نقيلك ولا نستقيلك » . فلما تم العقد وسلموا المبيع ، قيل لهم : مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت ، وأضعافها معا وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ آل عمران : 169 ، 170 ] . إذا غرست شجرة المحبة في القلب ، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع الثمار . وآتت أكلها كل حين بإذن ربها . أصلها ثابت في قرار القلب . وفرعها متصل بسدرة المنتهى . لا يزال سعي المحب صاعدا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] . حدود المحبة لا تحد المحبة بحد أوضح منها . فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء . فحدها وجودها . ولا توصف المحبة بوصف أظهر من « المحبة » . وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها ، وعلاماتها وشواهدها ، وثمراتها وأحكامها . فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة . وتنوعت بهم العبارات . وكثرت الإشارات ، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله ، وملكه للعبارة . وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء : أحدها : الصفاء والبياض . ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها : حبب الأسنان . الثاني : العلو والظهور . ومنه حبب الماء وحبابه . وهو ما يعلوه عند المطر الشديد . وحبب الكأس منه . الثالث : اللزوم والثبات . ومنه : حبّ البعير وأحب ، إذا برك ولم يقم . قال الشاعر : حلت عليه بالفلاة ضربا * ضرب بعير السوء إذ أحبا الرابع : اللب . ومنه : حبة القلب ، للبّه وداخله . ومنه : الحبّة لواحدة الحبوب . إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه . الخامس : الحفظ والإمساك . ومنه حبّ الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضا . ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة . فإنها صفاء المودة ، وهيجان إرادات القلب للمحبوب . وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد . وثبوت إرادة القلب للمحبوب . ولزومها لزوما لا تفارقه ، ولإعطاء المحب محبوبه لبّه ، وأشرف ما عنده . وهو قلبه ، ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه . فاجتمعت فيها المعاني الخمسة . ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة « الحاء » التي هي من أقصى الحلق ، و « الباء » الشفوية التي هي نهايته . فللحاء الابتداء ، وللباء الانتهاء . وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب . فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه . وقالوا في فعلها : حبّه وأحبّه . قال الشاعر :