ابن قيم الجوزية

640

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أرواح شيطانية ، ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة - قال : فلما اشتد عليّ الأمر ، قلت لأقاربي ومن حولي : اقرأوا آيات السكينة ، قال : ثم أقلع عني ذلك الحال ، وجلست وما بي قلبة « 1 » . وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه ، فرأيت لها تأثيرا عظيما في سكونه وطمأنينته . وأصل « السكينة » هي الطمأنينة والوقار ، والسكون الذي ينزله اللّه في قلب عبده ، عند اضطرابه من شدة المخاوف ، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه . ويوجب له زيادة الإيمان ، وقوة اليقين والثبات . ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب ، كيوم الهجرة ، إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رؤوسهم ، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما ، وكيوم حنين ، حين ولّوا مدبرين من شدة بأس الكفار ، لا يلوي أحد منهم على أحد ، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكّم الكفار عليهم ، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس ، وحسبك بضعف عمر رضي اللّه عنه عن حملها - وهو عمر - حتى ثبته اللّه بالصديق رضي اللّه عنه . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة ، إلا التي في سورة البقرة . وفي « الصحيحين » عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قال : « رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ينقل من تراب الخندق ، حتى وارى التراب جلدة بطنه . وهو يرتجز بكلمة عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه : لا همّ لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبّت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا وفي صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الكتب المتقدمة « إني باعث نبيا أميا ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب في الأسواق ، ولا متزّين بالفحش ، ولا قوّال للخنا ، أسدّده لكل جميل . وأهب له كل خلق كريم ، ثم أجعل السكينة لباسه ، والبرّ شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة مقولة ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه » . تعريف السكينة قال صاحب المنازل : « السكينة : اسم لثلاثة أشياء : أولها : سكينة بني إسرائيل التي

--> ( 1 ) كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فهل كان ذلك من هديه صلى اللّه عليه وسلم أو هدي خلفائه الراشدين ؟ ! وكان شيخ الإسلام - رحمه اللّه وغفر لنا وله - من المؤمنين الذين تطمئن قلوبهم بذكر اللّه بأسمائه وصفاته وآثارها في نفسه وفي الآفاق . وبتلاوة آياته وتدبرها والتفقه فيها ، والدعوة إلى اللّه بها عقيدة وعلما وعملا وحالا .