ابن قيم الجوزية

641

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أعطوها في التابوت . قال أهل التفسير : هي ريح هفاقة . وذكروا صفتها » . قلت : اختلفوا : هل هي عين قائمة بنفسها ، أو معنى ؟ على قولين : أحدهما : أنها عين . ثم اختلف أصحاب هذا القول في صفتها فروي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « أنها ريح هفافة . لها رأسان ووجه كوجه الإنسان » ويروى عن مجاهد : إنها صورة هرّة لها جناحان ، وعينان لهما شعاع ، وجناحان من زمرد وزبرجد ، فإذا سمعوا صوتها أيقنوا بالنصر . وعن ابن عباس : هي طست من ذهب من الجنة ، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء . وعن وهب بن منبّه : هي روح من روح اللّه تتكلم . إذا اختلفوا في شيء أخبرتهم ببيان ما يريدون . والثاني : أنها معنى . ويكون معنى قوله فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [ البقرة : 248 ] أي ومجيئه إليكم : سكينة لكم وطمأنينة . وعلى الأول : يكون المعنى : إن السكينة في نفس التابوت . ويؤيده عطف قوله : وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ [ البقرة : 248 ] قال عطاء بن أبي رباح « فيه سكينة » هي ما تعرفون من الآيات . فتسكنون إليها . وقال قتادة ، والكلبي : هي من السكون ، أي طمأنينة من ربكم . ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا . قال : « وفيها ثلاثة أشياء : للأنبياء معجزة . ولملوكهم كرامة . وهي آية النصر تخلع قلوب الأعداء بصوتها رعبا إذا التقى الصفان للقتال » . وكرامات الأولياء : هي من معجزات الأنبياء . لأنهم إنما نالوها على أيديهم وبسبب اتباعهم ، فهي لهم كرامات ، وللأنبياء دلالات ، فكرامات الأولياء : لا تعارض معجزات الأنبياء ، حتى يطلب الفرقان بينهما ، لأنها من أدلتهم ، وشواهد صدقهم . نعم : الفرقان بين ما للأنبياء وما للأولياء من وجوه كثيرة جدا . ليس هذا موضع ذكرها . وغير هذا الكتاب أليق بها . قال : « السكينة الثانية : هي التي تنطق على لسان المحدّثين . ليست هي شيئا يملّك . إنما هي شيء من لطائف صنع الحق . تلقي على لسان المحدّث الحكمة كما يلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء . وتنطق بنكت الحقائق مع ترويح الأسرار ، وكشف الشبه » . « السكينة » إذا نزلت على القلب اطمأن بها . وسكنت إليه الجوارح . وخشعت ، واكتسبت الوقار ، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة ، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش ، واللغو والهجر ، وكل باطل . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما « كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه » . وكثيرا ما ينطق صاحب « السكينة » بكلام لم يكن عن فكرة منه ، ولا روية ولا هبة ، ويستغربه هو من نفسه ، كما يستغرب السامع له ، وربما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه . وأكثر ما يكون : هذا عند الحاجة ، وصدق الرغبة من السائل ، والمجالس ، وصدق الرغبة منه هو إلى اللّه ، والإسراع بقلبه إلى بين يديه ، وحضرته ، مع تجرده من الأهواء ، وتجريده النصيحة للّه ولرسوله ، ولعباده المؤمنين ، وإزالة نفسه من البين .