ابن قيم الجوزية
639
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أيّ حق لآبائك عليّ ؟ ألست أنا الذي هديتهم ومننت عليهم واصطفيتهم ، ولي الحق عليهم » ؟ . وأما حقوق العبيد على اللّه تعالى : من إثابته لمطيعهم ، وتوبته على تائبهم ، وإجابته لسائلهم : فتلك حقوق أحقها اللّه سبحانه على نفسه ، بحكم وعده وإحسانه لا أنها حقوق أحقوها هم عليه ، فالحق في الحقيقة للّه على عبده ، وحق العبد عليه هو ما اقتضاه جوده وبره ، وإحسانه إليه بمحض جوده وكرمه ، هذا قول أهل التوفيق والبصائر ، وهو وسط بين قولين منحرفين ، قد تقدم ذكرهما مرارا . واللّه سبحانه أعلم . وأما قوله « أو لا ينازع له اختيارا » . أي إذا رأيت اللّه عزّ وجلّ قد اختار لك أو لغيرك شيئا - إما بأمره ودينه ، وإما بقضائه وقدره - فلا تنازع اختياره ، بل ارض باختيار ما اختاره لك ، فإن ذلك من تعظيمه سبحانه . ولا يرد عليه قدره من المعاصي . فإنه سبحانه - وإن قدرها - لكنه لم يخترها له ، فمنازعتها غير اختياره من عبده . وذلك من تمام تعظيم العبد له سبحانه . واللّه أعلم . ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الإلهام ، والإفهام ، والوحي ، والتحديث والرؤيا الصادقة » . وقد تقدمت في أول الكتاب عند الكلام على مراتب الهداية . وذكرنا كلام صاحب المنازل هناك . منزلة السكينة ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، منزلة « السكينة » . هذه المنزلة من منازل المواهب . لا من منازل المكاسب . وقد ذكر اللّه سبحانه « السكينة » في كتابه في ستة مواضع : الأولى : قوله تعالى : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [ البقرة : 248 ] . الثاني : قوله تعالى : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ التّوبة : 26 ] . الثالث : قوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [ التّوبة : 40 ] . الرابع : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [ الفتح : 4 ] . الخامس : قوله تعالى : * لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [ الفتح : 18 ] . السادس : قوله تعالى : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ الفتح : 26 ] الآية . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - إذا اشتدت عليه الأمور : قرأ آيات السكينة . وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه ، تعجز العقول عن حملها - من محاربة