ابن قيم الجوزية
636
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بين طرفين ذميمين . فكما أن الجافي عن الأمر ، مضيع له ، فالغالي فيه : مضيع له ، هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد . وقد نهى اللّه عن الغلو بقوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ [ المائدة : 77 ] . و « الغلو » نوعان : نوع يخرجه عن كونه مطيعا ، كمن زاد في الصلاة ركعة ، أو صام الدهر مع أيام النهي ، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق ، أو سعى بين الصفا والمروة عشرا ، أو نحو ذلك عمدا . وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار ، كقيام الليل كله ، وسرد الصيام الدهر أجمع ، بدون صوم أيام النهي ، والجور على النفوس في العبادات والأوراد ، الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا الدين يسر ، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه ، فسدّدوا وقاربوا ويسّروا . واستعينوا بالغدوة والرّوحة ، وشيء من الدّلجة » يعني استعينوا على طاعة اللّه بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة . فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسير فيها . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ليصلّ أحدكم نشاطه ، فإذا فتر فليرقد » رواهما البخاري . وفي « صحيح مسلم » عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « هلك المتنطّعون - قالها ثلاثا - » وهم المتعمقون المتشددون . وفي « صحيح البخاري » عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « عليكم من الأعمال ما تطيقون ، فو اللّه لا يملّ اللّه حتى تملّوا » . وفي « السنن » عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغّضنّ إلى نفسك عبادة اللّه » أو كما قال . وقوله : « ولا يحملا على علة توهن الانقياد » . يريد : أن لا يتأول في الأمر والنهي علة تعود عليهما بالإبطال ، كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلّل بإيقاع العداوة والبغضاء ، والتعرض للفساد . فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه . كما قيل : أدرها . فما التحريم فيها لذاتها * ولكن لأسباب تضمنها السّكر إذا لم يكن سكر يضلّ عن الهدى * فسيان ماء في الزجاجة أو خمر وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة . وقد حمل طائفة من العلماء أن جعلوا تحريم ما عدا شراب خمر العنب معلّلا بالإسكار . فله أن يشرب منه ما شاء ، ما لم يسكر . ومن العلل التي توهن الانقياد : أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة ، لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر . فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم . ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور . وفي بعض الآثار القديمة « يا بني إسرائيل . لا تقولوا : لم أمر ربنا ؟ ولكن قولوا : بم أمر ربنا » ؟