ابن قيم الجوزية

637

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأيضا فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته ، لم يكن منقادا للأمر ، وأقل درجاته : أن يضعف انقياده له . وأيضا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا . وجعل العلة فيها هي جمعية القلب ، والإقبال به على اللّه . فقال : أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة ، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها ، وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده . وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي . وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا اللّه . فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا اللّه ، فكم عطلت للّه من أمر ، وأباحت من نهي ، وحرمت من مباح ؟ ! وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها . قال : « الدرجة الثانية تعظيم الحكم : أن يبغى له عوج ، أو يدافع بعلم ، أو يرضى بعوض » . الدرجة الأولى : تتضمن تعظيم الحكم الديني الشرعي . وهذه الدرجة تتضمن تعظيم الحكم الكوني القدري . وهو الذي يخصه المصنف باسم « الحكم » وكما يجب على العبد أن يرعى حكم اللّه الديني بالتعظيم . فكذلك يرعى حكمه الكوني به . فذكر من تعظيمه ثلاثة أشياء : أحدها « أن لا يبغي له عوج » أي يطلب له عوج ، أو يرى فيه عوج . بل يراه كله مستقيما . لأنه صادر عن عين الحكمة . فلا عوج فيه . وهذا موضع أشكل على الناس جدا . فقال نفاة القدر : ما في خلق الرحمن من تفاوت ولا عوج . والكفر والمعاصي مشتملة على أعظم التفاوت والعوج . فليست بخلقه ولا مشيئته ولا قدره . وقالت فرقة تقابلهم : بل هي من خلق الرحمن وقدره . فلا عوج فيها ، وكل ما في الوجود مستقيم . والطائفتان ضالتان ، منحرفتان عن الهدى . وهذه الثانية أشد انحرافا ، لأنها جعلت الكفر والمعاصي طريقا مستقيما لا عوج فيه ، وعدم تفريق الطائفتين بين القضاء والمقضي ، والحكم والمحكوم به : هو الذي أوقعهم فيما أوقعهم فيه . وقول سلف الأمة وجمهورها : إن القضاء غير المقضي . فالقضاء فعله ومشيئته وما قام به . والمقضي مفعوله المباين له المنفصل عنه . وهو المشتمل على الخير والشر ، والعوج والاستقامة . فقضاؤه كله حق . والمقضي : منه حق ، ومنه باطل ، وقضاؤه كله عدل ، والمقضي : منه عدل ، ومنه جور ، وقضاؤه كله مرضي ، والمقضي منه مرضي ، ومنه مسخوط . وقضاؤه كله مسالم ، والمقضي : منه ما يسالم ، ومنه ما يحارب . وهذا أصل عظيم تجب مراعاته ، وهو موضع مزلة أقدام كما رأيت . والمنحرف عنه : إما جاهل للحكمة ، أو القدرة ، أو للأمر والشرع ولا بد ، وعلى هذا يحمل كلام صاحب المنازل رحمه اللّه « أن لا يبتغي للحكم عوج » . وأما قوله « أو يدفع بعلم » . فأشكل من الأول . فإن العلم مقدم على القدر ، وحاكم عليه ، ولا يجوز دفع العلم بالحكم .