ابن قيم الجوزية

635

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والثاني : أن يكون من السر ، أي فراسة متعلقة بالأسرار ، لا بالظواهر ، فتكون سرية بوزن شريبة ومكيثة . قوله « لم تجتلبها رويّة » أي لا تكون عن فكرة ، بل تهجم على القلب هجوما لا يعرف سببه . قوله « على لسان مصطنع » أي مختار مصطفى على غيره . « تصريحا أو رمزا » . يعني أن هذا المختار المصطفى يخبر بهذه الفراسة العالية عن أمور مغيبة ، تارة بالتصريح . وتارة بالتلويح ، إما سترا لحاله ، وإما صيانة لما أخبر به عن الابتذال ، ووصوله إلى غير أهله . وإما لغير ذلك من الأسباب . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . منزلة التعظيم ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « التعظيم » . وهذه المنزلة تابعة للمعرفة . فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب . وأعرف الناس به أشدهم له تعظيما وإجلالا ، وقد ذم اللّه تعالى من لم يعظمه حق عظمته ، ولا عرفه حق معرفته ، ولا وصفه حق صفته ، وأقوالهم تدور على هذا . فقال تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح : 13 ] قال ابن عباس ومجاهد : لا ترجون للّه عظمة . وقال سعيد بن جبير : ما لكم لا تعظمون اللّه حق عظمته ؟ وقال الكلبي : لا تخافون للّه عظمة . قال البغوي : « والرجاء » بمعنى المخوف ، و « الوقار » العظمة ، اسم من التوقير ، وهو التعظيم . وقال الحسن : لا تعرفون للّه حقا ، ولا تشكرون له نعمة . وقال ابن كيسان : لا ترجون في عبادة اللّه أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرا . وروح العبادة : هو الإجلال والمحبة ، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت ، فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المعظم . فذلك حقيقة الحمد . واللّه سبحانه أعلم . درجات التعظيم قال صاحب المنازل رحمه اللّه : « التعظيم : معرفة العظمة ، مع التذلل لها . وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : تعظيم الأمر والنهي ، وهو أن لا يعارضا بترخص جاف . ولا يعرّضا لتشدد غال ، ولا يحملا على علة توهن الانقياد . ههنا ثلاثة أشياء ، تنافي تعظيم الأمر والنهي : أحدها : الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال . والثاني : الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي . فالأول : تفريط . والثاني إفراط . وما أمر اللّه بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو . ودين اللّه وسط بين الجافي عنه والغالي فيه . كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين . والوسط