ابن قيم الجوزية

63

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

واحتمال منة المخلوق : إنما كانت نقصا لأنه نظيره . فإذا منّ عليه استعلى عليه ، ورأى الممنون عليه نفسه دونه . هذا مع أنه ليس في كل مخلوق ، فلرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المنة على أمته ، وكان أصحابه يقولون « اللّه ورسوله أمنّ » ولا نقص في منة الوالد على ولده ، ولا عار عليه في احتمالها . وكذلك السيد على عبده . فكيف برب العالمين الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم ، ومحض صدقته عليهم ، بلا عوض منهم البتة ؟ وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده . فهو المنان عليهم . بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم لها ، وأعانهم عليها ، وكملها لهم ، وقبلها منهم على ما فيها ؟ وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطّور : 19 ] . فهذه باء السببية ، ردا على القدرية والجبرية ، الذين يقولون : لا ارتباط بين الأعمال والجزاء ، ولا هي أسباب له . وإنما غايتها أن تكون أمارات . قالوا : وليست أيضا مطردة ، لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر . فلم يبق إلا محض الأمر الكوني والمشيئة . فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء ، كما هي مبطلة لقول أولئك . وأدلة المعقول والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين . وتبين لمن له قلب ولب : مقدار قول أهل السنة . وهم الفرقة الوسط المثبتون لعموم مشيئة اللّه ، وقدرته ، وخلقه العباد وأعمالهم ، ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب بمسبباتها ، وانعقادها بها شرعا وقدرا ، وترتيبها عليها عاجلا وآجلا . وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق ، وارتكبت لأجله نوعا من الباطل ، بل أنواعا . وهدى اللّه أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 213 ] و ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) [ الجمعة : 4 ] . الصنف الثالث : الذين زعموا أن فائدة العبادة : رياضة النفوس ، واستعدادها لفيض العلوم عليها ، وخروج قواها عن قوى النفوس السّبعية والبهيمية . فلو عطلت عن العبادات لكانت من جنس نفوس السباع والبهائم . والعبادات تخرجها عن مألوفاتها وعوائدها ، وتنقلها إلى مشابهة العقول المجردة . فتصير عالمة قابلة لانتقاش صور العلوم والمعارف فيها . وهذا يقوله طائفتان : إحداهما : من يقرب إلى النبوات والشرائع من الفلاسفة ، القائلين بقدم العالم ، وعدم انشقاق الأفلاك ، وعدم الفاعل المختار . الطائفة الثانية : من تفلسفت من صوفية الإسلام « 1 » . وتقرب إلى الفلاسفة . فإنهم يزعمون أن العبادات رياضات لاستعداد النفوس وتجردها ، ومفارقتها العالم الحسي ، ونزول الواردات والمعارف عليها .

--> ( 1 ) ليس في الإسلام صوفية ، بل كل منهما مستقل بنفسه . فللإسلام مصادره من الكتاب والسنة ، وعقائده وشرائعه . وللصوفية مصادرها وعقائدها وطقوسها من كتب فلاسفة الهند واليونان ، ثم كتب ابن عربي والسهروردي وأشباههما .