ابن قيم الجوزية
64
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ثم من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلا لهذا المعنى . فإذا حصل لها بقي مخيرا في حفظه أو ردّه ، أو الاشتغال بالوارد عنها . ومنهم من يوجب القيام بالأوراد والوظائف . وعدم الإخلال بها . وهم صنفان أيضا : أحدهما : من يوجبونه حفظا للقانون ، وضبطا للنفوس . والآخرون : الذين يوجبونه حفظا للوارد ، وخوفا من تدرج النفس - بمفارقتها له - إلى حالتها الأولى من البهيمية . فهذه نهاية أقدام المتكلمين على طريق السلوك . وغاية معرفتهم بحكم العبادة وما شرعت لأجله . ولا تكاد تجد في كتب القوم غير هذه الطرق الثلاثة ، على سبيل الجمع ، أو على سبيل البدل . وأما الصنف الرابع : فهم الطائفة المحمدية الإبراهيمية ، أتباع الخليلين ، العارفون باللّه وحكمته في أمره وشرعه وخلقه ، وأهل البصائر في عبادته ، ومراده بها . فالطوائف الثلاث محجوبون عنهم بما عندهم من الشّبه الباطلة ، والقواعد الفاسدة . ما عندهم وراء ذلك شيء . قد فرحوا بما عندهم من المحال ، وقنعوا بما ألفوه من الخيال . ولو علموا أن وراءه ما هو أجل منه وأعظم ، لما ارتضوا بدونه ، ولكن عقولهم قصرت عنه ، ولم يهتدوا إليه بنور النبوة ، ولم يشعروا به ليجتهدوا في طلبه ، ورأوا أن ما معهم خير من الجهل ، ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده . فتركّب من هذه الأمور إيثار ما عندهم على ما سواه . وهذه بلية الطوائف . والمعافى من عافاه اللّه . فاعلم أن سر العبودية ، وغايتها وحكمتها : إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب عزّ وجلّ ، ولم يعطلها . وعرف معنى الإلهية وحقيقتها ، ومعنى كونه إلها ، بل هو الإله الحق ، وكل إله سواه فباطل ، بل أبطل الباطل . وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له ، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها ، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات ، وكارتباط المعلوم بالعلم ، والمقدور بالقدرة ، والأصوات بالسمع ، والإحسان بالرحمة ، والعطاء بالجود . فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها ، وما شرعت لأجله ؟ وكيف يستقيم له العلم بأنها هي الغاية المقصودة بالخلق ، والتي لها خلقوا ، ولها أرسلت الرسل ، وأنزلت الكتب ، ولأجلها خلقت الجنة والنار ؟ وأن فرض تعطيل الخليقة عنها : نسبة للّه إلى ما لا يليق به ، ويتعالى عنه من خلق السماوات والأرض بالحق ، ولم يخلقهما باطلا . ولم يخلق الإنسان عبثا ولم يتركه سدى مهملا . قال تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) [ المؤمنون : 115 ] أي لغير شيء ولا حكمة ولا لعبادتي ومجازاتي لكم ، وقد صرح تعالى بهذا في قوله وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] فالعبادة : هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها . قال اللّه تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) [ القيامة : 36 ] أي مهملا . قال الشافعي : لا يؤمر ولا ينهى ، وقال غيره : لا يثاب ولا يعاقب . والصحيح : الأمران . فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي .