ابن قيم الجوزية
626
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فإنه سبحانه هو الجواد الذي لا ينقص خزائنه الإنفاق ، ولا يغيض ما في يمينه سعة عطائه . فما منع من منعه فضله إلا لحكمة كاملة في ذلك . فإنه الجواد الحكيم . وحكمته لا تناقض جوده . فهو سبحانه لا يضع برّه وفضله إلا في موضعه ووقته . بقدر ما تقتضيه حكمته . ولو بسط اللّه الرزق لعباده لفسدوا وهلكوا . ولو علم في الكفار خيرا وقبولا لنعمة الإيمان ، وشكرا له عليها ، ومحبة له واعترافا بها ، لهداهم إلى الإيمان . ولهذا لما قالوا للمؤمنين : أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [ الأنعام : 53 ] ؟ أجابهم بقوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [ الأنعام : 53 ] . سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : هم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ، ويشكرون اللّه عليها . فهو سبحانه ما أعطى إلا بحكمته . ولا منع إلا بحكمته ، ولا أضل إلا بحكمته . وإذا تأمل البصير أحوال العالم وما فيه من النقص : رآه عين الحكمة . وما عمرت الدنيا والآخرة والجنة والنار إلا بحكمته . وفي الحكمة ثلاثة أقوال للناس : أحدها : أنها مطابقة علمه لمعلومه ، وإرادته ومشيئته لمراده . هذا تفسير الجبرية . وهو في الحقيقة نفي حكمته . إذ مطابقة المعلوم والمراد : أعم من أن يكون « حكمة » أو خلافها ، فإن السفيه من العباد : يطابق علمه وإرادته لمعلومه ومراده . مع كونه سفيها . الثاني - مذهب القدرية النفاة - : أنها مصالح العباد ومنافعهم العائدة عليهم . وهو إنكار لوصفه تعالى بالحكمة . وردوها إلى مخلوق من مخلوقاته . الثالث - قول أهل الإثبات والسنة - : أنها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره ، التي أمر لأجلها ، وقدّر وخلق لأجلها . وهي صفته القائمة به كسائر صفاته : من سمعه وبصره ، وقدرته وإرادته ، وعلمه وحياته وكلامه . وللرد على طائفتي الجبرية والقدرية موضع غير هذا . واللّه أعلم . قال : « الدرجة الثالثة : أن تبلغ في استدلالك البصيرة . وفي إرشادك الحقيقة . وفي إشارتك الغاية » يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم . وهي البصيرة التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئيّ إلى البصر . وهذه هي الخصّيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة . وهي أعلى درجات العلماء . قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] أي أنا وأتباعي على بصيرة . وقيل : « ومن اتبعني » عطف على المرفوع « بأدعو » أي أنا أدعو إلى اللّه على بصيرة . ومن اتبعني كذلك يدعو إلى اللّه على بصيرة . وعلى القولين فالآية تدل أن أتباعه هم أهل البصائر الداعين إلى اللّه على بصيرة . فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة . وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى . وقوله : « وفي إرشادك الحقيقة » .