ابن قيم الجوزية

627

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إما أن يريد : أنك إذا أرشدت غيرك تبلغ في إرشاده إلى الحقيقة ، أو تبلغ في إرشاد غيرك لك إلى الحقيقة ، ولا تقف دونها . فعلى الأول : المصدر مضاف إلى الفاعل ، وعلى الثاني : إلى المفعول . والمعنى : أنك تكون من أهل الوجود الذين إذا أشاروا لم يشيروا إلا إلى الغاية المطلوبة التي ليس وراءها مرمى . والقوم يسمون أخبارهم عن المعارف وعن المطلوب « إشارات » لأن المعروف أجل من أن يفصح عنه بعبارة مطابقة ، وشأنه فوق ذلك . فالكامل من إشارته إلى الغاية . ولا يكون ذلك إلا لمن فني عن رسمه وهواه وحظه . وبقي بربه ومراده الديني الأمري . وكل أحد فإشارته بحسب معرفته وهمته . ومعارف القوم وهممهم تؤخذ من إشارتهم . واللّه المستعان . منزلة الفراسة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الفراسة » . قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) [ الحجر : 75 ] قال مجاهد رحمه اللّه : المتفرسين . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : للناظرين . وقال قتادة : للمعتبرين . وقال مقاتل : للمتفكرين . ولا تنافي بين هذه الأقوال ، فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ومنازلهم ، وما آل إليه أمرهم : أورثه فراسة وعبرة وفكرة . وقال تعالى في حق المنافقين : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمّد : 30 ] فالأول : فراسة النظر والعين . والثاني : فراسة الأذن والسمع . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : علّق معرفته إياهم بالنظر على المشيئة ، ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط . بل أخبر به خبرا مؤكدا بالقسم . فقال : « ولتعرفنهم في لحن القول » وهو تعريض الخطاب ، وفحوى الكلام ومغزاه . و « اللحن » ضربان : صواب وخطأ . فلحن الصواب نوعان . أحدهما : الفطنة . ومنه الحديث « ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض » . والثاني : التعريض والإشارة . وهو قريب من الكناية . ومنه قول الشاعر : وحديث ألذه . وهو مما * يشتهي السامعون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا * نا . وخير الحديث ما كان لحنا والثالث : فساد المنطق في الإعراب . وحقيقته : تغيير الكلام عن وجهه : إما إلى خطأ ، وإما إلى معنى خفي لم يوضع له اللفظ . والمقصود : أنه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم . فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه : أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه . فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من السيماء المرئية . والفراسة تتعلق بالنوعين بالنظر والسماع . وفي « الترمذي » من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا فراسة المؤمن . فإنه ينظر بنور اللّه » . ثم تلا قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) [ الحجر : 75 ] .