ابن قيم الجوزية

623

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

به ، كما قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه - وقد سئل : « هل خصكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء دون الناس ؟ - فقال : لا . والذي فلق الحبة ، وبرأ النّسمة ، إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه » فهذا هو العلم اللدني الحقيقي . وأما علم من أعرض عن الكتاب والسنة ، ولم يتقيد بهما : فهو من لدن النفس والهوى ، والشيطان ، فهو لدني . لكن من لدن من ؟ وإنما يعرف كون العلم لدنيا رحمانيا : بموافقته لما جاء به الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ربه عزّ وجلّ . فالعلم اللدني نوعان : لدني رحماني ، ولدني شيطاني بطناوي . والمحكّ : هو الوحي . ولا وحي بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام : فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد ، وكفر مخرج عن الإسلام ، موجب لإراقة الدم . والفرق : أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر . ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته . ولو كان مأمورا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه « 1 » . ولهذا قال له « أنت موسى نبي بني إسرائيل ؟ قال : نعم » ومحمد صلى اللّه عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين . فرسالته عامة للجن والإنس ، في كل زمان . ولو كان موسى وعيسى عليهما السلام حيين لكانا من أتباعه . وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام . فإنما يحكم بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم . فمن ادعى أنه مع محمد صلى اللّه عليه وسلم كالخضر مع موسى . أو جوز ذلك لأحد من الأمة : فليجدد إسلامه ، وليتشهد شهادة الحق . فإنه بذلك مفارق لدين الإسلام بالكلية . فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء اللّه . وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه . وهذا الموضع مقطع ومفرق بين زنادقة القوم ، وبين أهل الاستقامة منهم ، فحرّك تره . قوله : « إسناده وجوده » . يعني : أن طريق هذا العلم : وجدانه ، كما أن طريق غيره : هو الإسناد . و « إدراكه عيانه » أي أن هذا العلم لا يؤخذ بالفكر ، والاستنباط ، وإنما يؤخذ عيانا وشهودا . « ونعته حكمه » يعني : أن نعوته لا يوصل إليها إلا به ، فهي قاصرة عنه ، يعني أن شاهده منه ، ودليله وجوده . وإنيّته لمّيّته ، فبرهان الإنّ فيه . هو برهان اللّمّ « 2 » ، فهو الدليل . وهو المدلول . ولذلك لم يكن بينه وبين الغيوب حجاب . بخلاف ما دونه من العلوم . فإن بينه وبين العلوم حجابا . والذي يشير إليه القوم : هو نور من جناب المشهود ، يمحو قوى الحواس وأحكامها . ويقوم لصاحبها مقامها . فهو المشهود بنوره ، ويفنى ما سواه بظهوره ، وهذا عندهم معنى الأثر

--> ( 1 ) قد حقق العلماء المحققون - كالحافظ ابن حجر ، وغيره من علماء السلف - أن الخضر كان رسولا كموسى عليهما السلام . والقرآن يشير إلى ذلك بقوله : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] . ( 2 ) المراد بالإنية ، والبرهان الإني : الاستدلال بالمعلول على العلة ، وهو منسوب إلى « إن » التوكيدية . وبالبرهان « اللمي » الاستدلال بالعلة على المعلول ، وهو منسوب إلى « لم ؟ » الاستفهامية ، والمراد : أن العلة والمعلول متساويان في هذا العلم . أحدهما : عين الآخر .