ابن قيم الجوزية
624
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الإلهي « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به . فبي يسمع . وبي يبصر » . والعلم اللدني الرحماني : هو ثمرة هذه الموافقة ، والمحبة التي أوجبها التقرب بالنوافل بعد الفرائض . واللدني الشيطاني : ثمرة الإعراض عن الوحي ، وتحكيم الهوى والشيطان . واللّه المستعان . منزلة الحكمة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الحكمة » . قال اللّه تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] وقال تعالى : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النّساء : 113 ] وقال عن المسيح عليه السلام : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 ) [ آل عمران : 48 ] . « الحكمة » في كتاب اللّه نوعان : مفردة . ومقترنة بالكتاب . فالمفردة : فسرت بالنبوة ، وفسرت بعلم القرآن . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما « هي علم القرآن : ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه . ومقدمه ومؤخره ، وحلاله وحرامه . وأمثاله » . وقال الضحاك : هي القرآن والفهم فيه . وقال مجاهد : هي القرآن والعلم والفقه . وفي رواية أخرى عنه : هي الإصابة في القول والفعل . وقال النخعي : هي معاني الأشياء وفهمها . وقال الحسن : الورع في دين اللّه . كأنه فسرها بثمرتها ومقتضاها . وأما « الحكمة » المقرونة بالكتاب : فهي السنة « 1 » . كذلك قال الشافعي وغيره من الأئمة . وقيل : هي القضاء بالوحي . وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر . وأحسن ما قيل في الحكمة : قول مجاهد ، ومالك : إنها معرفة الحق والعمل به ، والإصابة في القول والعمل . وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن ، والفقه ، في شرائع الإسلام ، وحقائق الإيمان . و « الحكمة » حكمتان : علمية ، وعملية . فالعلمية : الاطلاع على بواطن الأشياء ، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها ، خلقا وأمرا . قدرا وشرعا . و « العلمية » كما قال صاحب المنازل « وهي وضع الشيء في موضعه » . درجات الحكمة قال : « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حدّه ، ولا تعجله عن وقته ، ولا تؤخره عنه » .
--> ( 1 ) يعني الهدى وسنن الأعمال والأخلاق والأحوال .