ابن قيم الجوزية

62

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل . وبينهما أعظم التباين . فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة . وجوزت أن يعذب اللّه من أفنى عمره في طاعته ، وينعم من أفنى عمره في معصيته . وكلاهما بالنسبة إليه سواء . وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم منه عملا ، وأكثر وأفضل درجات . والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة ، من غير تعليل ولا سبب ، ولا حكمة تقتضي تخصيص هذا بالثواب ، وهذا بالعقاب . والقدرية أوجبت على اللّه سبحانه رعاية الأصلح . وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال وثمنا لها ، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنغيص باحتمال منّة الصدقة عليه بلا ثمن . فقاتلهم اللّه . ما أجهلهم باللّه وأغرّهم به ! جعلوا تفضله وإحسانه إلى عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد ، حتى قالوا : إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل . فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة . ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة . والطائفتان جائرتان ، منحرفتان عن الصراط المستقيم ، الذي فطر اللّه عليه عباده ، وجاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب . وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب . مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ، وأن الأعمال الصالحة من توفيق اللّه وفضله ومنّه ، وصدقته على عبده . إن أعانه عليها ووفقه لها ، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها ، وحبّبها إليه ، وزيّنها في قلبه وكرّه إليه أضدادها . ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ، ولا هي على قدره ، بل غايتها - إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده ، وأوقعها على أكمل الوجوه - أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه . فلو طالبه بحقه لبقي عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بشكرها . فلذلك لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم . ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم . كما ثبت ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولهذا نفى النبي صلى اللّه عليه وسلم دخول الجنة بالعمل ، كما قال « لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله - وفي لفظ : لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله . وفي لفظ : لن ينجي أحدا منكم عمله - قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل ، كما في قوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النّحل : 32 ] ولا تنافي بينهما . إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد . فالمنفيّ استحقاقها بمجرد الأعمال ، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها ، ردا على القدرية المجوسية ، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة . وهذه الطائفة من أجهل الخلق باللّه ، وأغلظهم عنه حجابا . وحقّ لهم أن يكونوا مجوس هذه الأمة . ويكفي في جهلهم باللّه : أنهم لم يعلموا أن أهل سماواته وأرضه في منّته ، وأن من تمام الفرح والسرور ، والغبطة واللذة : اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق ، وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة . وأعظمهم منه منزلة ، وأقربهم إليه : أعرفهم بهذه المنة ، وأعظمهم إقرارا بها ، وذكرا لها ، وشكرا عليها ، ومحبة له لأجلها . فهل يتقلّب أحد قط إلا في منته ؟ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) [ الحجرات : 17 ] .