ابن قيم الجوزية

611

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وذو النون لما لم يكن في هذا المقام : سجنه في بطن الحوت من غضبة . وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا . قال « الدرجة الثالثة : اجتباء الحق عبده . واستخلاصه إياه بخالصته . كما ابتدأ موسى ، وقد خرج يقتبس نارا . فاصطنعه لنفسه . وأبقى منه رسما معارا » . قلت : « الاجتباء » الاصطفاء ، والإيثار . والتخصيص . وهو افتعال من جبيت الشيء : إذا حزته وأحرزته إليك . كجباية المال وغيره . و « الاصطناع » أيضا الاصطفاء ، والاختيار . يعني أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه . وجعله خالصا له من غير سبب كان من موسى ، ولا وسيلة . فإنه خرج ليقتبس النار . فرجع وهو كليم الواحد القهار . وأكرم الخلق عليه ، ابتداء منه سبحانه . من غير سابقة استحقاق ، ولا تقدم وسيلة . وفي مثل هذا قيل : أيها العبد ، كن لما لست ترجو * من صلاح أرجى لما أنت راجي إن موسى أتى ليقبس نارا * من ضياء رآه والليل داجي فانثنى راجعا ، وقد كلمه اللّ * ه ، وناجاه وهو خير مناجي وقوله : « وأبقى منه رسما معارا » . يحتمل أن يريد بالرسم : البقية التي تقدم بها عليه محمد صلى اللّه عليه وسلم . ورفع فوقه بدرجات لأجل بقائها معه . ويحتمل - وهو الأظهر - أنه أخذه من نفسه ، واصطنعه لنفسه . واختاره من بين العالمين . وخصه بكلامه ، ولم يبق له من نفسه إلا رسما مجردا يصحب به الخلق ، وتجري عليه فيه أحكام البشرية . إتماما لحكمته ، وإظهارا لقدرته . فهو عارية معه . فإذا قضى ما عليه : استرد ذلك الرسم . وجعله من ماله . فتكملت إذ ذاك مرتبة الاجتباء . ظاهرا وباطنا ، حقيقة ورسما ، ورجعت العارية إلى مالكها الحق ، الذي يرجع إليه الأمر كله . فكما ابتدأت منه عادت إليه . وموسى عليه السلام : كان في مظهر الجلال . ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر . أمروا بقتل نفوسهم ، وحرمت عليهم الشحوم ، وذوات الظفر وغيرها من الطيبات ، وحرمت عليهم الغنائم ، وعجل لهم من العقوبات ما عجل وحمّلوا من الآصار والأغلال ، ما لم يحمله غيرهم « 1 » . وكان موسى عليه السّلام من أعظم خلق اللّه هيبة ووقارا . وأشدهم بأسا وغضبا للّه ، وبطشا بأعداء اللّه ، وكان لا يستطاع النظر إليه . وعيسى عليه السّلام : كان في مظهر الجمال . وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان . وكان لا

--> ( 1 ) إنما كانت الآصار والأغلال مما تحمل بنو إسرائيل بتمردهم على اللّه وعلى كتابه ورسوله بما شرعوا من الشرائع ما لم ينزل اللّه به سلطانا ، واتخاذهم أحبارهم أربابا من دون اللّه . فشرعوا لهم ما لم يكره اللّه من تحليل الخبائث وتحريم الطيبات كما شرعت قريش من الفحشاء والمنكر : الطواف بالبيت عراة وأمثاله من فاحشة . وكما وقع فيه المقلدون اليوم من المسلمين من تفريق دينهم شيعا ، والشرك وتقديم أهواء وآراء شيوخهم على كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم نسبوا كل ذلك إلى الإسلام باطلا . والإسلام منه بريء .