ابن قيم الجوزية

612

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يقاتل ، ولا يحارب . وليس في شريعته قتال البتة . والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال . وهم به عصاة لشرعه . فإن الإنجيل يأمرهم فيه : أن « من لطمك على خدك الأيمن ، فأدر له خدك الأيسر . ومن نازعك ثوبك . فأعطه رداءك . ومن سخرك ميلا . فامش معه ميلين » ونحو هذا . وليس في شريعتهم مشقة ، ولا آصار ، ولا أغلال . وإنما النصارى ابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم . ولم تكتب عليهم . وأما نبينا صلى اللّه عليه وسلم : فكان في مظهر الكمال ، الجامع لتلك القوة والعدل ، والشدة في اللّه . وهذا اللين والرأفة والرحمة . وشريعته أكمل الشرائع . فهو نبي الكمال ، وشريعته شريعة الكمال ، وأمته أكمل الأمم . وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات ، ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا ، وبالفضل ندبا إليه واستحبابا ، وبالشدة في موضع الشدة ، وباللين في موضع اللين ، ووضع السيف موضعه ، ووضع الندى موضعه . فيذكر الظلم ويحرمه . والعدل ويوجبه . والفضل ويندب إليه في بعض آيات . كقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشّورى : 40 ] فهذا عدل فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشّورى : 40 ] فهذا فضل إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [ الشّورى : 40 ] فهذا تحريم للظلم . وقوله وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [ النّحل : 126 ] فهذا إيجاب للعدل ، وتحريم للظلم وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النّحل : 126 ] ندب إلى الفضل . وقوله وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [ البقرة : 279 ] تحريم للظلم وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [ البقرة : 280 ] عدل وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 280 ] فضل . وكذلك تحريم ما حرم على أمته صيانة وحمية . حرم عليهم كل خبيث وضار ، وأباح لهم كل طيب ونافع . فتحريمه عليهم رحمة ، وعلى من قبلهم لم يخل من عقوبة . وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم ووهب لهم من علمه وحلمه . وجعلهم خير أمة أخرجت للناس . وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم . كما كمل نبيهم صلى اللّه عليه وسلم من المحاسن بما فرقه في الأنبياء قبله . وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله . وكذلك في شريعته . فهؤلاء « الضنائن » وهم المجتبون الأخيار . كما قال تعالى : هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحجّ : 78 ] وجعلهم شهداء على الناس . فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشاهدين على أممهم . وتفضيل هذه الأمة وخصائصها يستدعي سفرا . بل أسفارا . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . واللّه ذو الفضل العظيم . منزلة الإحسان ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الإحسان » . وهي لب الإيمان ، وروحه وكماله . وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل . فجميعها منطوية فيها . وكل ما قيل من أول الكتاب إلى ههنا فهو من الإحسان . قال صاحب المنازل رحمه اللّه - وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى : هَلْ جَزاءُ