ابن قيم الجوزية

602

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الأعمال والأحوال والحقائق . فالمسألة أيضا فاسدة في نفسها . فإن التفضيل عند اللّه تعالى بالتقوى ، وحقائق الإيمان . لا بفقر ولا غنى ، كما قال تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] ولم يقل أفقركم ولا أغناكم . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - والفقر والغنى ابتلاء من اللّه لعبده . كما قال تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلَّا [ الفجر : 15 - 17 ] أي ليس كل من وسّعت عليه وأعطيته : أكون قد أكرمته ، ولا كل من ضيقت عليه وقتّرت : أكون قد أهنته ، فالإكرام : أن يكرم اللّه العبد بطاعته ، والإيمان به ، ومحبته ومعرفته . والإهانة : أن يسلبه ذلك . قال - يعني ابن تيمية - ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر . بل بالتقوى ، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة . سمعته يقول ذلك . وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذ . فقال : لا يوزن غدا الفقر ولا الغنى ، وإنما يوزن الصبر والشكر . وقال غيره : هذه المسألة محال من وجه آخر . وهو أن كلّا من الغني والفقير لا بد له من صبر وشكر . فإن الإيمان نصفان : نصف صبر . ونصف شكر . بل قد يكون نصيب الغني وقسطه من الصبر أوفر . لأنه يصبر عن قدرة ، فصبره أتم من صبر من يصبر عن عجز . ويكون شكر الفقير أتم . لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة اللّه ، والفقير أعظم فراغا للشكر من الغني . فكلاهما لا تقوم قائمة إيمانه إلا على ساقي الصبر والشكر . نعم ، الذي يحكي الناس من هذه المسألة : فرعا من الشكر ، وفرعا من الصبر . وأخذوا في الترجيح بينهما . فجردوا غنيا منفقا متصدقا ، باذلا ماله في وجوه القرب ، شاكرا اللّه عليه . وفقيرا متفرغا لطاعة اللّه . ولأوراد العبادات من الطاعات ، صابرا على فقره . فهل هو أكمل من ذلك الغني ، أم الغني أكمل منه ؟ . فالصواب في مثل هذا : أن أكملهما أطوعهما . فإن تساوت طاعتهما تساوت درجاتهما . واللّه أعلم . تعريف الفقر قال صاحب المنازل رحمه اللّه . « الفقر اسم للبراءة من الملكة » . عدل الشيخ عن لفظ « عدم الملكة » إلى قوله « البراءة من الملكة » لأن عدم الملكة ثابت في نفس الأمر لكل أحد سوى اللّه تعالى . فاللّه سبحانه هو المالك حقيقة . فعدم الملكة : أمر ثابت لكل ما سواه لذاته . والكلام في الفقر الذي يمدح به صاحبه : هو فقر الاختيار . وهو أخص من مطلق الفقر . وهو براءة العبد من دعوى الملك بحيث لا ينازع مالكه الحق . ولما كانت نفس الإنسان ليست له . وإنما هي ملك للّه . فما لم يخرج عنها ويسلمها لمالكها الحق : لم يثبت له في الفقر قدم . فلذلك كان أول قدم الفقر : الخروج عن النفس .