ابن قيم الجوزية

603

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وتسليمها لمالكها ومولاها . فلا يخاصم لها . ولا يتوكل لها . ولا يحاجج عنها . ولا ينتصر لها ، بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها . قال بندار بن الحسين : لا تخاصم لنفسك . فإنها ليست لك . دعها لمالكها يفعل بها ما يريد . وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى اللّه إلا من طريق الفقر . ولا دخول عليه إلا من بابه . واللّه أعلم . درجات الفقر قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : فقر الزهاد ، وهو قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا . وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما . والسلامة منها طلبا أو تركا . وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه » . « الدنيا » عند القوم : ما سوى اللّه تعالى - من المال ، والجاه ، والصور ، والمراتب - . واختلف المتكلمون فيها على قولين . حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته . أحدهما : أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم . والثاني : أنها اسم لما بين السماء والأرض . فما فوق السماء ليس من الدنيا . وما تحت الأرض ليس منها . فعلى الأول : تكون الدنيا زمانا . وعلى الثاني : تكون مكانا . ولما كان لها تعلق بالجوارح والقلب واللسان ، كان حقيقة الفقر : تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها وسلبها منها . فلذلك قال : « قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا » . يعني يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له . فإذا قبض يده عن الإمساك جاد بها . وإن كانت غير حاصلة له كفّ يده عن طلبها . فلا يطلب معدومها . ولا يبخل بموجودها . وأما « تعطيلها عن اللسان » . فهو أن لا يمدحها ولا يذمها . فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ورغبته فيها . فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره . وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته . كمن طلب العنقود فلم يصل إليه ، فقال : هو حامض . ولا يتصدى لذم الدنيا إلا راغب محب مفارق . فالواصل مادح . والمفارق ذام . وأما « تعطيل القلب منها » فبالسلامة من آفات طلبها وتركها . فإن لتركها آفات . ولطلبها آفات . والفقر سلامة القلب من آفات الطلب والترك . بحيث لا يحجبه عن ربه بوجه من الوجوه الظاهرة والباطنة . لا في طلبها وأخذها ولا في تركها والرغبة عنها . فإن قلت : عرفت الآفة في أخذها وطلبها . فما وجه الآفة في تركها والرغبة عنها ؟ قلت : من وجوه شتى : أحدها : أنه إذا تركها - وهو بشر لا ملك - تعلق قلبه بما يقيمه ويقيته ويعيشه . وما هو محتاج إليه . فيبقى في مجاهدة شديدة مع نفسه . لترك معلومها وحظها من الدنيا . وهذه قلة فقه