ابن قيم الجوزية
58
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وسأل بعض هؤلاء شيخا عارفا ، فقال : إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتي على اللّه ، فإن قمت وخرجت تفرقت ، وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتي « 1 » ، فما الأفضل في حقي ؟ فقال : إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم ، وأجب داعي اللّه ، ثم عد إلى موضعك . وهذا لأن الجمعية على اللّه حظ الروح والقلب ، وإجابة الداعي حق الرب . ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » . الصنف الثالث : رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها : ما كان فيه نفع متعد ، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر . فرأوا خدمة الفقراء ، والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل . فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « الخلق كلهم عيال اللّه ، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله » رواه أبو يعلى . واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه ، وعمل النفّاع متعدّ إلى الغير . وأين أحدهما من الآخر ؟ . قالوا : ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب . قالوا : وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه « لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » وهذا التفضيل إنما هو للنفع المتعدي . واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وسلم « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء » واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير » وبقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في البحر ، والنملة في جحرها » . واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله ، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ، ما دام نفعه الذي نسب إليه . واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ، ونفعهم في معاشهم ومعادهم . لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والترهب . ولهذا أنكر النبي صلى اللّه عليه وسلم على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد ، وترك مخالطة الناس . ورأى هؤلاء التفرق في أمر اللّه ، ونفع عباده ، والإحسان إليهم ، أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك . الصنف الرابع ، قالوا : إن أفضل العبادة : العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته . فأفضل العبادات في وقت الجهاد : الجهاد ، وإن آل إلى ترك الأوراد ، من صلاة الليل وصيام النهار . بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض ، كما في حالة الأمن . والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا : القيام بحقه ، والاشتغال به عن الورد المستحب . وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل .
--> ( 1 ) إن هذا تناقض ظاهر . فإن حقيقة الصلاة ، والغرض الحقيقي منها : هو الاتصال باللّه ، وعروج الروح إليه ، وهذا يعلمه المؤمنون المصلون الصادقون ، الذين عرفوا اللّه ربهم بأسمائه وصفاته ، وآثارها في أنفسهم وفي الآفاق ، وعرفوه من آياته الكونية والقرآنية . والصوفي أجهل الناس بهذه المعرفة وأبعدهم عنها . وإنما جمعيته مع شيطانه وهواه ، ثم غره الشيطان لجاهليته وتمكن سلطانه عليه وولايته - فأوهمه أنه مع اللّه .