ابن قيم الجوزية
59
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والأفضل في أوقات السحر : الاشتغال بالصلاة والقرآن ، والدعاء والذكر والاستغفار . والأفضل في وقت استرشاد الطالب ، وتعليم الجاهل : الإقبال على تعليمه والاشتغال به . والأفضل في أوقات الأذان : ترك ما هو فيه من ورده ، والاشتغال بإجابة المؤذن . والأفضل في أوقات الصلوات الخمس : الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه ، والمبادرة إليها في أول الوقت ، والخروج إلى الجامع . وإن بعد كان أفضل . والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه ، أو البدن ، أو المال : الاشتغال بمساعدته ، وإغاثة لهفته ، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك . والأفضل في وقت قراءة القرآن : جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه ، حتى كأن اللّه تعالى يخاطبك به . فتجمع قلبك على فهمه وتدبره ، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك . والأفضل في وقت الوقوف بعرفة : الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك . والأفضل في أيام عشر ذي الحجة : الإكثار من التعبد ، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد . فهو أفضل من الجهاد غير المتعين . والأفضل في العشر الأخير من رمضان : لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم ، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم ، وإقرائهم القرآن ، عند كثير من العلماء . والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته : عيادته ، وحضور جنازته وتشييعه ، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك . والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك : أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم ، دون الهرب منهم . فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه . والأفضل خلطتهم في الخير . فهي خير من اعتزالهم فيه ، واعتزالهم في الشر ، فهو أفضل من خلطتهم فيه . فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلّله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم . فالأفضل في كل وقت وحال : إيثار مرضاة اللّه في ذلك الوقت والحال . والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه . وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق . والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد . فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته . فهو يعبد اللّه على وجه واحد . وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره ، بل غرضه تتبع مرضاة اللّه تعالى أين كانت . فمدار تعبده عليها . فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية ، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها ، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى . فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره . فإن رأيت العلماء رأيته معهم . وإن رأيت العباد رأيته معهم . وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم . وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم ، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته