ابن قيم الجوزية

57

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والجماعة قربة ، وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة ، وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة . وأمثال ذلك . الضرب الرابع : من أعماله على متابعة الأمر ، لكنها لغير اللّه . كطاعة المرائين ، وكالرجل يقاتل رياء وحميّة وشجاعة ، ويحج ليقال ، ويقرأ القرآن ليقال . فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها ، لكنها غير صالحة . فلا تقبل وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البيّنة : 5 ] فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة اللّه بما أمر . والإخلاص له في العبادة . وهم أهل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] . فضل أهل مقام « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » ثم أهل مقام « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق . فهم في ذلك أربعة أصناف : الصنف الأول : عندهم أنفع العبادات وأفضلها : أشقها على النفوس وأصعبها . قالوا : لأنه أبعد الأشياء عن هواها ، وهو حقيقة التعبد . قالوا : والأجر على قدر المشقة . ورووا حديثا لا أصل له « أفضل الأعمال أحمزها » أي أصعبها وأشقها . وهؤلاء : هم أهل المجاهدات والجور على النفوس . قالوا : وإنما تستقيم النفوس بذلك . إذ طبعها الكسل والمهانة ، والإخلاد إلى الأرض . فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق . الصنف الثاني ، قالوا : أفضل العبادات التجرد ، والزهد في الدنيا ، والتقلل منها غاية الإمكان ، واطّراح الاهتمام بها ، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها . ثم هؤلاء قسمان : فعوامهم : ظنوا أن هذا غاية ، فشمروا إليه وعملوا عليه . ودعوا الناس إليه ، وقالوا : هو أفضل من درجة العلم والعبادة . فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها . وخواصهم : رأوا هذا مقصودا لغيره ، وأن المقصود به عكوف القلب على اللّه ، وجمع الهمة عليه ، وتفريغ القلب لمحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، والاشتغال بمرضاته . فرأوا أن أفضل العبادات في الجمعية على اللّه ، ودوام ذكره بالقلب واللسان ، والاشتغال بمراقبته ، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له . ثم هؤلاء قسمان . فالعارفون المتبعون منهم : إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه ولو فرّقهم وأذهب جمعيتهم . والمنحرفون منهم يقولون : المقصود من العبادة جمعية القلب على اللّه . فإذا جاء ما يفرقه عن اللّه لم يلتفت إليه . وربما يقول قائلهم : يطالب بالأوراد من كان غافلا * فكيف بقلب كل أوقاته ورد ؟ ثم هؤلاء أيضا قسمان . منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته . ومنهم من يقوم بها ويترك السنن والنوافل ، وتعلم العلم النافع لجمعيته .