ابن قيم الجوزية

566

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 4 ) [ يس : الآيات 1 - 4 ] فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل سنته ، حتى يجوزونه إلى جنات النعيم . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . واللّه ذو الفضل العظيم . تعريف الأدب و « الأدب » هو الدين كله . فإن ستر العورة من الأدب . والوضوء وغسل الجنابة من الأدب . والتطهر من الخبث من الأدب . حتى يقف بين يدي اللّه طاهرا . ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته . للوقوف بين يدي ربه . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : أمر اللّه بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة . وهو أخذ الزينة . فقال تعالى : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ الأعراف : 31 ] فعلق الأمر بأخذ الزينة ، لا بستر العورة ، إيذانا بأن العبد ينبغي له : أن يلبس أزين ثيابه ، وأجملها في الصلاة « 1 » . وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال . وكان يلبسها وقت الصلاة . ويقول : ربي أحق من تجملت له في صلاتي . ومعلوم : أن اللّه سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده . لا سيما إذا وقف بين يديه . فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا . ومن الأدب : نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم المصلي : « أن يرفع بصره إلى السماء » . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : هذا من كمال أدب الصلاة : أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا ، خافضا طرفه إلى الأرض . ولا يرفع بصره إلى فوق . قال : والجهمية - لما لم يفقهوا هذا الأدب ، ولا عرفوه - ظنوا أن هذا دليل أن اللّه ليس فوق سماواته ، على عرشه . كما أخبر به عن نفسه . واتفقت عليه رسله . وجميع أهل السنة . قال : وهذا من جهلهم . بل هذا دليل لمن عقل عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم على نقيض قولهم . إذ من الأدب مع الملوك : أن الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض . ولا يرفع بصره إليهم . فما الظن بملك الملوك سبحانه ؟ .

--> ( 1 ) إنما أمر بأخذ الزينة في مقابلة باطل الذين شرعوا من الفاحشة والإثم والعدوان : أن يطوف الناس رجالا ونساء عراة . زاعمين لهم : أن ذلك من أمر اللّه . فنزه اللّه نفسه عن نسبة هذه الفاحشة إليه ، وأن هذا لا يليق به سبحانه مطلقا وهو الذي أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا ، وزينهم باللباس . فإن اللّه قد جعل للبهائم والأنعام والوحوش ما يواري سوءاتها . ولما خلق الإنسان وسواه على هذه الصورة المناسبة لوظائفه في الحياة ، أنزل عليه لباسا يواري سوأته . فشرع المشركون ضد ذلك من التعري الذي يظهر الإنسان بأقبح صورة بهيمية . فليس الأمر بالزينة في الصلاة إلا بأن يكونوا بالثياب العادية . وهكذا كان هدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولم يكن من المتكلفين . كما ثبت عن البخاري عن جابر أنه صلى في القميص فقط . وكل ثيابه على المشجب - ومنها العمامة - فسأله سائل عن ذلك ؟ فقال : « ليراني أحمق مثلك فيعلم أنها السنة » وإنما ينظر اللّه إلى القلوب ، لا إلى الصور والثياب .