ابن قيم الجوزية
567
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وسمعته يقول - في نهيه صلى اللّه عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود - إن القرآن هو أشرف الكلام . وهو كلام اللّه . وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد . فمن الأدب مع كلام اللّه : أن لا يقرأ في هاتين الحالتين . ويكون حال القيام والانتصاب أولى به « 1 » . ومن الأدب مع اللّه : أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة . كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة ، وغيرهم . رضي اللّه عنهم . والصحيح : أن هذا الأدب : يعم الفضاء والبنيان . كما ذكرنا في غير هذا الموضع . ومن الأدب مع اللّه ، في الوقوف بين يديه في الصلاة : وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة ، ففي « الموطأ » لمالك عن سهل بن سعد « أنه من السنة » و « كان الناس يؤمرون به » ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء . فعظيم العظماء أحق به . ومنها : السكون في الصلاة . وهو الدوام الذي قال اللّه تعالى فيه : الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) [ المعارج : 23 ] قال عبد اللّه بن المبارك عن ابن لهيعة : حدثني يزيد بن أبي حبيب : أن أبا الخير أخبره قال : سألنا عقبة بن عامر عن قوله تعالى : الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) [ المعارج : 23 ] أهم الذين يصلون دائما ؟ قال : لا . ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ، ولا عن شماله ولا خلفه . قلت : هما أمران . الدوام عليها . والمداومة عليها . فهذا الدوام . والمداومة في قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 34 ) [ المعارج : 34 ] وفسر « الدوام » بسكون الأطراف والطمأنينة . وأدبه في استماع القراءة : أن يلقي السمع وهو شهيد . وأدبه في الركوع : أن يستوي . ويعظم اللّه تعالى ، حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه . ويتضاءل ويتصاغر في نفسه . حتى يكون أقل من الهباء . والمقصود : أن الأدب مع اللّه تبارك وتعالى : هو القيام بدينه ، والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا . ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع اللّه إلا بثلاثة أشياء : معرفته بأسمائه وصفاته ، ومعرفته بدينه وشرعه ، وما يحب وما يكره . ونفس مستعدة قابلة لينة ، متهيئة لقبول الحق علما وعملا وحالا . واللّه المستعان . وأما الأدب مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم : فالقرآن مملوء به .
--> ( 1 ) في هذا نظر . فإنها حالة عز ورفعة . لأنها ذل للّه الأكبر . وانخفاض من العبودية لعظمة الربوبية وجلالها . شرف ورفعة . ولعل السر في ذلك : أن المصلي حين قرأ قائما ، تجلى للمتدبر الفقيه في كتاب ربه : ما للّه عليه من النعم العظيمة المتتالية ، وبالأخص ، وقد شرف بالنعمة العظيمة ، نعمة مناجاة ربه . فإنه يحس عندئذ : أنه يحمل من النعم ما ينوء به ظهره ، فيخر راكعا . فيناسب ذلك : أن يسبح بحمد ربه العظيم ، الذي تجلت له عظمته في هذه النعم . ثم يشعر أن ربه سمع تسبيحه بحمد ربه ويتذكر نعمه ، فيرفع من الركوع شاكرا لربه ، قائلا : « سمع اللّه لمن حمده - إلخ » فيحس إحساسا آخر : أنه من الحامدين الشاكرين . فيجد أن النعم قد زادت زيادة عظيمة . فينوء ظهره أكثر من قبل ، فيخر ساجدا . واللّه أعلم . وهو الموفق .