ابن قيم الجوزية

56

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

للّه ، وأقوالهم للّه ، وعطاؤهم للّه ، ومنعهم للّه ، وحبهم للّه ، وبغضهم للّه . فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه اللّه وحده . لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا ، ولا ابتغاء الجاه عندهم ، ولا طلب المحمدة ، والمنزلة في قلوبهم ، ولا هربا من ذمهم . بل قد عدّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور ، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . فالعمل لأجل الناس ، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ، ورجائهم للضر والنفع منهم : لا يكون من عارف بهم البتة ، بل من جاهل بشأنهم ، وجاهل بربه . فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم . ومن عرف اللّه أخلص له أعماله وأقواله ، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه . ولا يعامل أحد الخلق دون اللّه إلا لجهله باللّه وجهله بالخلق ، وإلا فإذا عرف اللّه وعرف الناس آثر معاملة اللّه على معاملتهم . وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر اللّه ، ولما يحبه ويرضاه . وهذا هو العمل الذي لا يقبل اللّه من عامل سواه . وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله . قال اللّه تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا . قال الفضيل بن عياض : العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه . قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا : لم يقبل . وإذا كان صوابا ، ولم يكن خالصا : لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا . والخالص : ما كان للّه . والصواب : ما كان على السنة . وهذا هو المذكور في قوله تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] وفي قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ النّساء : 125 ] فلا يقبل اللّه من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه ، على متابعة أمره . وما عدا ذلك فهو مردود على عامله ، يرد عليه - أحوج ما هو إليه - هباء منثورا . وفي الصحيح من حديث عائشة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد » وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من اللّه إلا بعدا . فإن اللّه تعالى إنما يعبد بأمره ، لا بالآراء والأهواء . الضرب الثاني « 1 » : من لا إخلاص له ولا متابعة . فليس عمله موافقا لشرع ، وليس هو خالصا للمعبود ، كأعمال المتزينين للناس ، المرائين لهم بما لم يشرعه اللّه ورسوله . وهؤلاء شرار الخلق ، وأمقتهم إلى اللّه عزّ وجلّ . ولهم أوفر نصيب من قوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 188 ) [ آل عمران : 188 ] يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك ، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص . وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف - من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة - عن الصراط المستقيم . فإنهم يرتكبون البدع والضلالات ، والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم . فهم أهل الغضب والضلال . الضرب الثالث : من هو مخلص في أعماله ، لكنها على غير متابعة الأمر ، كجهال العبّاد ، والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر ، وكل من عبد اللّه بغير أمره ، واعتقد عبادته هذه قربة إلى اللّه فهذا حاله . كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة ، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة

--> ( 1 ) هذا هو القسم الثاني من الأقسام الأربعة التي انقسم إليها الناس بحسب الإخلاص والمتابعة .