ابن قيم الجوزية
557
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فأشار أبو القاسم الجنيد إلى أن المريد للّه بصدق ، إذا أراد اللّه به خيرا : أوقعه على طائفة الصوفية ، يهذبون أخلاقه . ويدلونه على تزكية نفسه ، وإزالة أخلاقها الذميمة . والاستبدال بالأخلاق الحميدة . ويعرفونه منازل الطريق ومفازاتها ، وقواطعها وآفاتها . وأما القراء : فيدقونه بالعبادة من الصوم والصلاة دقا « 1 » . ولا يذيقونه شيئا من حلاوة أعمال القلوب ، وتهذيب النفوس . إذ ليس ذلك طريقهم . ولهذا بينهم وبين أرباب التصوف نوع تنافر ، كما تقدم . والبصير الصادق : يضرب في كل غنيمة بسهم ، ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها . ولا يتحيز إلى طائفة . وينأى عن الأخرى بالكلية : أن لا يكون معها شيء من الحق . فهذه طريقة الصادقين . ودعوى الجاهلية كامنة في النفوس . ولا أعني بذلك أصغريهم * ولكني أريد به الدوينا سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض غزواته قائلا يقول : « يا للمهاجرين ، وآخر يقول : يا للأنصار ! فقال : ما بال دعوى الجاهلية ، وأنا بين أظهركم » . هذا ، وهما اسمان شريفان . سماهم اللّه بهما في كتابه ، فنهاهم عن ذلك . وأرشدهم إلى أن يتداعوا ب « المسلمين » و « المؤمنين » و « عباد اللّه » وهي الدعوى الجامعة . بخلاف المفرقة . ك « الفلانية » و « الفلانية » فاللّه المستعان . وقال صلى اللّه عليه وسلم لأبي ذر : « إنك امرؤ فيك جاهلية . فقال : على كبر السن مني يا رسول اللّه ؟ قال : نعم » ، فمن يأمن القراء بعدك يا شهر « 2 » ؟ ولا يذوق العبد حلاوة الإيمان ، وطعم الصدق واليقين ، حتى تخرج الجاهلية كلها من قلبه . واللّه لو تحقق الناس في هذا الزمان ذلك من قلب رجل لرموه عن قوس واحدة . وقالوا : هذا مبتدع ، ومن دعاة البدع . فإلى اللّه المشتكى : وهو المسؤول الصبر ، والثبات . فلا بد من لقائه وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى [ طه : 61 ] ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشّعراء : 227 ] . قال صاحب المنازل رحمه اللّه . « باب الإرادة : قال اللّه تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] . في تصديره الباب بهذه الآية دلالة على عظم قدره . وجلالة محله من هذا العلم . فإن معنى
--> ( 1 ) وعلى هذا تكون الصلاة والصيام والعبادات والشرائع التي جاء بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا حلاوة فيها ولا تطهير للقلوب . ولا تهذيب للنفوس ، ولا تزكية للأرواح . وهذا هو الذي يدين به محترفو الصوفية ، محادة للّه ولرسوله واستكبارا . وأعاذ اللّه شيخنا الإمام ابن القيم منها . ( 2 ) هو شهر بن حوشب . روى عن بلال وتميم الداري وأبي ذر وأبي هريرة وعائشة وغيرهم . وروى عنه خالد الحذاء وعاصم بن بهدلة ومطر الوراق ، والزبير اليامي وغيرهم . قال ابن عدي : لا يحتج به . وكان شهر قد ولي على خزائن يزيد بن المهلب . فاتهمه الخوارج ، وزعموا أنه سرق خريطة فيها دراهم . فقال القطامي الكلبي : لقد باع شهر دينه بخريطة * فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ؟ أخذت بها شيئا طفيفا وبعته * من ابن جرير ، إن هذا هو الغدر