ابن قيم الجوزية

558

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الآية : كل يعمل على ما يشاكله ، ويناسبه ، ويليق به . فالفاجر يعمل على ما يليق به . وكذلك الكافر والمنافق ، ومريد الدنيا وجيفتها : عامل على ما يناسبه ، ولا يليق به سواه . ومحب الصور : عامل على ما يناسبه ويليق به . فكلّ امرئ يهفو إلى ما يحبه * وكلّ امرئ يصبو إلى ما يناسبه فالمريد الصادق المحب للّه : يعمل ما هو اللائق به والمناسب له . فهو يعمل على شاكلة إرادته . وما هو الأليق به ، والأنسب لها . قال « الإرادة : من قوانين هذا العلم ، وجوامع أبنيته . وهي الإجابة لدواعي الحقيقة ، طوعا أو كرها » يريد : أن هذا العلم مبني على الإرادة . فهي أساسه ، ومجمع بنائه . وهو مشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة . وهي حركة القلب . ولهذا سمي « علم الباطن » « 1 » كما أن علم « الفقه » يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح . ولهذا سموه « علم الظاهر » . فهاتان حركتان اختياريتان . وللعبد حركة طبيعية اضطرارية . فالعلم المشتمل على تفاصيلها ، وأحكامها : هو علم الطب . فهذه العلوم الثلاثة : هي الكفيلة بمعرفة حركات النفس والقلب . وحركات اللسان والجوارح ، وحركات الطبيعة . فالطبيب : ينظر في تلك الحركات من جهة تأثر البدن عنها صحة واعتلالا ، وفي لوازم ذلك ومتعلقاته . والفقيه : ينظر في تلك الحركات من جهة موافقتها لأمر الشرع ، ونهيه وإذنه ، وكراهته ، ومتعلقات ذلك . والصوفي : ينظر في تلك الحركات من جهة كونها موصلة له إلى مراده . أو قاطعة عنه ، ومفسدة لقلبه ، أو مصححة له . وأما قوله : « وهي الإجابة لداعي الحقيقة » . ف « الإجابة » هي الانقياد ، والإذعان ، و « الحقيقة » عندهم : مشاهدة الربوبية . و « الشريعة » التزام العبودية . فالشريعة : أن تعبده . والحقيقة : أن تشهده . فالشريعة : قيامك بأمره . والحقيقة : شهودك لوصفه . وداعي الحقيقة : هو صحة المعرفة . فإن من عرف اللّه أحبه ولا بد . ولا بد في هذه « الإجابة » من ثلاثة أشياء : نفس مستعدة قابلة . لا تعوز إلا الداعي . ودعوة مستمعة ، وتخلية الطريق من المانع . فما انقطع من انقطع إلا من جهة من هذه الجهات الثلاث . وقوله : « طوعا أو كرها » يشير إلى المجذوب ، المختطف من نفسه ، والسالك إرادة واختيارا ومجاهدة .

--> ( 1 ) ولعله سمي كذلك . لأنه يقوم على الألغاز والأسرار والرموز التي تستر مقاصدهم ، وتخفي أغراضهم . والذي أدخله في البيئة الإسلامية : الجمعية الباطنية المكونة من فلول الفرس واليهود ، وهي التي قتلت عمر . وأوقدت من الفتن ما كان بسبب عثمان ، وعلي . وبذرت كل بذور هذه الفتن التي يصلى المسلمون نارها إلى اليوم .