ابن قيم الجوزية
545
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأما قوله : « ولا تقف في شهودك على رسم » . فيعني : أن لا يكون منك نظر إلى السّوى عند الشهود ، كما تقدم مرارا . وهذا عند القوم غير مكتسب . فإن الشهود إذا صح محا الرسوم ضرورة في نظر الشاهد . فلا حاجة إلى أن يشرط عليه عدم الوقوف عليها . والشهود الصحيح ماح لها بالذات . لكن أوله قد لا يستغني عن الكسب . ونهايته لا تقف على كسب . قال : « واعلم أن من أحوج عدوه إلى شفاعة ، ولم يخجل من المعذرة إليه : لم يشم رائحة الفتوة » . يعني أن العدو متى علم أنك متألم من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى أن يعتذر إليك ، ويشفّع إليك شافعا يزيل ما في قلبك منه . فالفتوة كل الفتوة : أن لا تحوجه إلى الشفاعة ، بأن لا يظهر له منك عتب ولا تغير عما كان له منك قبل معاداته . ولا تطوي عنه بشرك ولا برك . وإذا لم تخجل أنت من قيامه بين يديك مقام المعتذر لم يكن لك في الفتوة نصيب . ولا تستعظم هذا الخلق ، فإن للفتيان ما هو أكبر منه ، ولا تستصعبه ، فإنه موجود في كثير من الشطار والعشراء الذين ليس لهم في حال المعرفة ولا في لسانها نصيب ، فأنت أيها العارف أولى به . قال : « وفي علم الخصوص : من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال : لم يحلّ له دعوى الفتوة أبدا » . كأنه يقول : إذا لم تحوج عدوك إلى العذر والشفاعة . ولم تكلفه طلب الاستدلال على صحة عذره ، فكيف تحوج وليك وحبيبك إلى أن يقيم لك الدليل على التوحيد والمعرفة ، ولا تشير إليه حتى يقيم لك دليلا على وجوده ووحدانيته ، وقدرته ومشيئته ؟ فأين هذا من درجة الفتوة ؟ . وهل هذا إلا خلاف الفتوة من كل وجه ؟ . ولو أن رجلا دعاك إلى داره . فقلت للرسول : لا آتي معك حتى تقيم لي الدليل على وجود من أرسلك ، وأنه مطاع ، وأنه أهل أن يغشى بابه . لسكنت في دعوى الفتوة زنيما . فكيف بمن وجوده ، ووحدانيته ، وقدرته ، وربوبيته وإلهيته : أظهر من كل دليل تطلبه ؟ فما من دليل يستدل به ، إلا ووحدانية اللّه وكماله أظهر منه . فإقرار الفطر بالرب سبحانه خالق العالم : لم يوقفها عليه موقف . ولم تحتج فيه إلى نظر واستدلال : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 10 ] فأبعد الناس من درجة الفتوة : طالب الدليل على ذلك : وليس يصح في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل منزلة المروءة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « المروءة » . « المروءة » فعولة من لفظ المرء ، كالفتوة من الفتى ، والإنسانية من الإنسان ولهذا كان حقيقتها : اتصاف النفس بصفات الإنسان التي فارق بها الحيوان البهيم ، والشيطان الرجيم . فإن