ابن قيم الجوزية
546
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
في النفس ثلاثة دواع متجاذبة : داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان : من الكبر ، والحسد ، والعلو ، والبغي ، والشر ، والأذى ، والفساد ، والغش . وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان . وهو داعي الشهوة . وداع يدعوها إلى أخلاق الملك : من الإحسان ، والنّصح ، والبر ، والعلم ، والطاعة . فحقيقة المروءة : بغض ذينك الداعيين ، وإجابة الداعي الثالث . وقلة المروءة وعدمها : هو الاسترسال مع ذينك الداعيين . والتوجه لدعوتهما أين كانت . فالإنسانية ، والمروءة ، والفتوة : كلها في عصيان الداعيين ، وإجابة الداعي الثالث . كما قال بعض السلف : خلق اللّه الملائكة عقولا بلا شهوة . وخلق البهائم شهوة بلا عقول . وخلق ابن آدم ، وركب فيه العقل والشهوة . فمن غلب عقله شهوته : التحق بالملائكة . ومن غلبت شهوته عقله : التحق بالبهائم . ولهذا قيل في حد المروءة : إنها غلبة العقل للشهوة . وقال الفقهاء في حدها : هي استعمال ما يجمل العبد ويزينه ، وترك ما يدنّسه ويشينه . وقيل : المروءة استعمال كل خلق حسن . واجتناب كل خلق قبيح . وحقيقة « المروءة » تجنب للدنايا والرذائل ، من الأقوال ، والأخلاق ، والأعمال . فمروءة اللسان : حلاوته وطيبه ولينه ، واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر . ومروءة الخلق : سعته وبسطه للحبيب والبغيض . ومروءة المال : الإصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا . ومروءة الجاه : بذله للمحتاج إليه . ومروءة الإحسان : تعجيله وتيسيره ، وتوفيره ، وعدم رؤيته حال وقوعه ، ونسيانه بعد وقوعه فهذه مروءة البذل . درجات المروءة وأما مروءة الترك : فترك الخصام ، والمعاتبة ، والمطالبة والمماراة ، والإغضاء عن عيب ما يأخذه من حقك . وترك الاستقصاء في طلبه ، والتغافل عن عثرات الناس ، وإشعارهم أنك لا تعلم لأحد منهم عثرة ، والتوقير للكبير ، وحفظ حرمة النظير ، ورعاية أدب الصغير ، وهي على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : مروءة المرء مع نفسه وهي أن يحملها قسرا على ما يجمّل ويزين . وترك ما يدنس ويشين ، ليصير لها ملكة في العلانية . فمن أراد شيئا في سره وخلوته : ملكه في جهره وعلانيته . فلا يكشف عورته في الخلوة ، ولا يتجشّأ بصوت مزعج ما وجد إلى خلافه سبيلا . ولا يخرج الريح بصوت وهو يقدر على خلافه ، ولا يجشع وينهم عند أكله وحده . وبالجملة : فلا يفعل خاليا ما يستحي من فعله في الملأ ، إلا ما لا يحظره الشرع والعقل . ولا يكون إلا في الخلوة ، كالجماع والتخلي ونحو ذلك . الدرجة الثانية : المروءة مع الخلق ، بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء ، والخلق