ابن قيم الجوزية

544

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

مثاله : أن المتكلم يفني زمانه في تقرير حدوث العالم ، وإثبات وجود الصانع . وذلك أمر مفروغ منه عند السالك الصادق صاحب اليقين . فالذي يطلبه هذا بالاستدلال - الذي هو عرضة الشبه ، والأسئلة ، والإيرادات التي لا نهاية لها - هو كشف ويقين للسالك . فتقيده في سلوكه بحال هذا المتكلم انقطاع ، وخروج عن الفتوة . وهذا حق لا ينازع فيه عارف ، فترى المتكلم يبحث في الزمان والمكان ، والجواهر والأعراض ، والأكوان ، وهمته مقصورة عليها لا يعدوها ليصل منها إلى المكون وعبوديته . والسالك قد جاوزها إلى جمع القلب على المكون وعبوديته بمقتضى أسمائه وصفاته . لا يلتفت إلى غيره . ولا يشتغل قلبه بسواه . فالمتكلم متفرق مشتغل في معرفة حقيقة الزمان والمكان . والعارف قد شح بالزمان أن يذهب ضائعا في غير السير إلى رب الزمان والمكان . وبالجملة : فصاحب هذه الدرجة لا يتعلق في سيره بدليل ، ولا يمكنه السير إلا خلف الدليل ، وكلاهما يجتمع في حقه . فهو لا يفتقر إلى دليل على وجود المطلوب ، ولا يستغني طرفة عين عن دليل يوصله إلى المطلوب ، فسير الصادق على البصيرة واليقين والكشف ، لا على النظر والاستدلال . وأما قوله : « ولا تشوب إجابتك بعوض » . أي تكون إجابتك لداعي الحق خالصة ، إجابة محبة ورغبة ، وطلب للمحبوب ذاته ، غير مشوبة بطلب غيره من الحظوظ والأعواض ، فإنه متى حصل لك حصل لك كل عوض وكل حظ به وكل قسم . كما في الأثر الإلهي : « ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء » . فمن أعرض عن طلب ما سوى اللّه ، ولم يشب طلبه له بعوض ، بل كان حبّا له ، وإرادة خالصة لوجهه . فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلها . فإنه لما لم يجعلها غاية طلبه ، توفرت عليه في حصولها ، وهو محمود مشكور مقرب ، ولو كانت هي مطلوبة لنقصت عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته . فهذا قلبه ممتلئ بها والحاصل له منها : نزر يسير ، والعارف ليس قلبه متعلقا بها ، وقد حصلت له كلها ، فالزهد فيها لا يفيتكها ، بل هو عين حصولها . والزهد في اللّه هو الذي يفيتكه ويفيتك الحظوظ . وإذا كان لك أربعة عبيد . أحدهم : يريدك ولا يريد منك ، بل إرادته مقصورة عليك وعلى مرضاتك . والثاني : يريد منك ولا يريدك ، بل إرادته مقصورة على حظوظه منك . والثالث : يريدك ويريد منك . والرابع : لا يريدك ولا يريد منك . بل هو متعلق القلب ببعض عبيدك ، فله يريد ، ومنه يريد . فإن آثر العبيد عندك ، وأحبهم إليك ، وأقربهم منك منزلة ، والمخصوص من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيد الثلاثة : هو الأول . هكذا نحن عند اللّه سواء « 1 » .

--> ( 1 ) وللّه المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .